نص جديد.. للشاعر السوري علي صالح الجاسم

نص جديد.. للشاعر السوري علي صالح الجاسم

زي بوست:

أضاقتْ بك الأرضُ صدراً وجيدا
          أمَ انّــكَ مــا زلْـتَ طـفلاً عـنيدا؟

بـمركبكَ الـمُمتطي صهوة الموج
          فــــرداً تــريــد الـرحـيـلَ بـعـيـدا

إلــى مــا وراء الـخـيال لـتصطاد
          مــعـنـىً عـمـيـقاً هــنـاك فــريـدا

وهــذي حـروفُـكَ لـهفى تـجدّفُ
          خـلـفـكَ كـيـمـا تــحـوزَ الـخـلودا

تــحـاورُ هـــذا الـطّـريـق الـمـعبّدَ
          بــالــوجـع الـمـتـرامـي صــعــودا

تـسـائـلُ تــلـك الـحـجـارةَ فــوق
          الـرّصـيف عــن الـعـابرين وُفُـودا

تــمــرُّ بــتـلـك الــقـرى الـنّـائـياتِ
          وحـيداً لـتبقى الـغريبَ الـوحيدا

عــلـى الـفِـكَـرِ الـشّـاردات تـهـشُّ
          بـنـايـكَ وجـــداً فـتـغدو نـشـيدا

تــحــاولُ جــمــعَ شــتــاتِ رؤاكَ
          عـلـى جـبل الـطّور غـرساً ولـيدا

تــحـاولُ ســبْـرَ ظــلالِ الـخـيانة
          لـــمّــا تُــســوَّقُ فــعــلاً حــمـيـدا

وكــيـفَ بـطـرفـة عــيـنٍ تـصـيـرُ
          الـقِـوادةُ فــي الـنّـائبات صـمـودا

فـتـأوي لـظـلٍٍّ تـشمِّرُ عـن سـاعد
          الــصّـبـرِ تـبـغـيه ركــنـاً شــديـدا

وتـسقي الـعطاش معين الأماني
          ووحــدكَ تـبـقى شـريـداً طـريدا

تــلــوِّنُـكَ الــسّـنـواتُ الــعـجـافُ
          بــلـون الـسّـنـابل ســاقـاً وعــودا

تـزلـزلُ قـلـبكَ هــذي الـعباءاتُ –
          وهــــي تــزيّــنُ حــتّـى الـعـبـيدا

بـأعـلـى مـقـامات قـلـبك رحــت
          تـعـايـن هـــذا الــخـواء الـبـلـيدا

أيُـعـقـلُ أن يـعـتـلي الـصّـافـناتِ
          مسوخٌ .. وزوراً يُسمَّونَ صِيدا؟!

أيُـعـقَـلُ أن يـصـبـحَ الـمـرجـفون
          عـلى جبهة المجد رمزاً مجيدا؟!

أيُـعـقـلُ يـــا شـاعـري كــلُّ هــذا
          ومـا زلْـتَ ترجو انبعاثاً جديدا؟!
……………….

عبد القادر حمّود: البازار

عبد القادر حمّود: البازار

زي بوست:


*
آخر ما أحكيه اليومَ (حبيبة قلبي) عن البازارْ
ستقولين (وهذا ظني): ما شغلكَ فيه، فليس البازار قضيةَ رأيٍ، أو ميدانَ نزالٍ تُقْحِمُ خيلكِ ما فيه من معمعةٍ ووثوبٍ وفَخَارْ
لا بأس (حبيبة قلبي) أعلمُ أن الأمر سيحتاج لشرحٍ، ومناقشةٍ، وحوارْ
فأنا الآخرُ أسألُ نفسي…
وأُعيدُ التفكيرَ ليلاً ونهارْ
فدخولي هذا البازارَ (لِعِلْمِكِ) تجربةً كانت أقسى من (صِفِّينَ) ومن يوم الخامس من شهر حزيران..
أجلْ…
هي كانتْ أقسى من كل هزائم هذا التاريخِ المزعومِ…
وأبشع من داحس والغبراء وما كان وما صارْ
فأنا المولودُ مساءَ النكبةِ
والساكنُ في حيِّ النكسةِ
والمدمن (مورفين) التطبيل لقطعانِ الخيبةِ والعارْ
لا بأسَ، تعودت النكباتِ
تعودتُ النكساتِ
تعودتُ الخيباتِ
ولم أشعرْ قطُّ بتأنيب ضميرٍ أو ما شابه من أفكارْ
لكنَّ الأمر تجاوز هذا اليوم كل حدود المُمْكِنِ، صار كخنزير بجناحين…
(وما بالُكِ بالخنزير إذا طارْ)…
لا بأسَ (حبيبة قلبي)، لا بأسَ، فقد رحتُ إلى البازار، وتمشَّيْتُ ككلِّ المخلوقاتِ..
شمالاً وجنوباً
وتمشِّيْتُ يميناً ويسارْ
كان الرزُّ هناكَ
وكان السُّكَّرُ والزيتُ
ولحمُ الضأنِ
وكان البصلُ الأخضرِ..
والجافِّ…
وربُّ البندورة، والبرغلُ..
واصطفَّتْ فوق الأكياس عباراتٌ مختلفةٌ، عن تاريخِ الصنعِ، وآخرِ مدَّةِ بيعٍ، وكلام نذكرهُ باستمرارْ
إلا (السِّعْرَ) فمتروكٌ لجنابِ التاجرِ حيث يشاءُ ويختارْ
لكنْ لا بأسَ (عزيزي الصامدَ حتى العظمِ) بإمكانكَ أن تدفعَ حيث تشاءُ، لك (الحريَّةُ) كلُّ الحريَّةِ أن تدفع بالليرة أو بالدولارْ…
وبإمكانكَ أن ترجع للبيتِ، وتنشدَ للأولاد وللزوجة:
(عمي شيخٌ للتجارْ
يحملُ في يده المنشارْ)…
لا بأس (حبيبة قلبي) لن أزعلَ من هذي الأشياءِ فليس هناك جديدْ
لا شيءَ، فهذا الأمر قديم، وعريق، بالتأكيدْ
وأنا أعرفه منذ نهايةِ حكم الأجدادِ لإشبيليَّةَ أو غرتاطةَ أو مدريدْ..
بل يُمكنني وبدون مبالغة أن أهمسَ في سمعكِ إني أعرفه قبل كتابةِ (هوميروس) لملحمته (طروادةْ)..
فالأمر تراثٌ نحن نفاخر مَنْ في الأرضِ به، غلماناً كانوا أم سادةْ
هي عاداتٌ وتقاليدٌ راسخةٌ…
تأكلنا/ نأكلها، تشربنا/ نشربها، تدخلنا/ ندخلها، تخـ…/ نخـ… كالعادةْ
لا بأسَ…
ولكنْ أخطرُ ما شاهدتُ اليومَ (حبيبة قلبي) في هذا البازارْ
أن الكلبَ
وأنََ الجحشَ
وأنَّ البغلَ
وأنَّ النغلَ، وكلَّ بني الذيلِ، وما دوَّنتُ بأعلى الصفحةِ من أصنافِ حبوبٍ وخضارْ
كانت تشرى وتباع ، وكان يهشُ لها التجّارْ
فتدوسُ الليرةُ فوق الليرةِ، والدولارُ على الدولارِ، وثمة من يترحَّمُ من أعماقِ الأعماقِ على الدرهمِ والدينارْ
لكِنْ…
لم أرَ في تلك الرحلة إلا الإنسانَ ذليلاً محزوناً
يمضغُ ما في الكتبِ الصفراءِ من الخبارْ
وبلا حَوْلٍ ينتظرُ النخّاس ليلقي بين يديهِ (باسمِ الإنسانية)حفنة رزِّ
أو (ربطةَ) خبزٍ
وينادي في آخر جولات الصفقةِ: (من يدفعُ أكثر)..
(مَنْ يكسرُ سقفَ الأسعارْ)
وينادي
وينادي
ويباعُ الإنسانُ بلا ثمنٍ يُذْكَرْ
ويُقالُ كثيراً عن هذا الأمرِ، ويمتدُّ اللغوُ ويكبرْ
لكنْ آخرُ ما تذكرُهُ (النُّسْوانُ)..
وآخرُ ما في قنواتِ (اليوتيوب)، وما في صفحات (الفيسِ)..
وما يتسرَّبُ من هذا أو من ذاك، وما تفشيه (فروع الأمن) من الأسرارْ
أنَّ البازارَ القادمَ، سوفَ يُحدِّدُ سقفاً أعلى أو أدنى (لا أعرف) للأسعارْ
قال أمير الأمراء:
ستشهد بلدتُنا قفزةَ أمنٍ واستقرارْ
قال مُطَبَِلُ حارتنا:
تحيا (الثورة)
تحيا (الثورة)، يحيا (الثوّارْ)…
وتزاحمتِ الكلماتُ…
فألفُ محلِّلِ أقوالٍ يتشدَّقُ حيناً بالمأثورِ، وحيناً آخرَ بالخطب الجوفاء، وبالأشعارْ…
والنخَّاسُ ينادي باستمرارْ
من يدفعُ نصفَ السعرِ..
أقلَّ.. أقلَّ
هنا في المخزن كدَّستُ شعوباً وقبائلَ
أطفالاً، وصبايا..
يوجد عندي ما تطلبُ، يوجد ما تختارْ
مَنْ يَدْفَعُ ربعَ السِّعْرِ
أقلَّ.. أقلَّ
على (أونةْ)
مَنْ…
عـ…،على (دوَّةْ)
قال النخّاسُ، وزمجرَ برميلُ الموتْ
سقطتْ أحلامٌ، وانهارتْ فوقَ رؤوس السكّانِ بيوتْ
واختلطت رائحة الدَّمِ بـ(النابالمِ) وغازِ (السَّارين) وأشكالِ (الفوسفور) ومشتقاتِ (الكبريتْ)…
لم يبق هنا في البازارْ
إلا جثثاً ملقاةً، وبقايا ألمٍ وشقاءٍ ودمارْ
لم يبق هنا في البازارْ
إلا أسرابَ ذبابٍ..
وعبااااااااااااااااااارٍ
وغباااارٍ
وغبارٍ
وغبارْ……….
*

*ريف إدلب: الأربعاء 5 آب 2020م

د.نورالدين منى: من هو أيّوب السوري؟!

د.نورالدين منى: من هو أيّوب السوري؟!

زي بوست:

  • أيّوب السوري؛ هو الكائن البشري الذي عليه كل الواجبات…. وحقوقه في أدنى المستويات الإنسانية.
  • منذ ولادته؛ ليس له رأي أو اعتبار ..يعطى تصنيفاً مذهبياً كما يحمل اسمه وكنيته..!!
  • أيوب السوري؛ منذ دخوله المدرسة؛ لا يستشار فيما يتعلم ويكرِّر من شعارات وصَفْقات… ودون أي رأي لأهله. تُفرَضُ عليه معلوماتٌ.. وإن لم يحفظْها يرسبْ في الامتحانات. وبعد عشرات السنين؛ يكتشف أنها شعارات وهمية ومزيفة ..!!
  • أيّوب السوري؛ عندما يبلغ سنَّ الرشد، يعطى هويّةً ورقماً وطنياً دون معنى ..لا يعرف حقوقه ولا واجباته ..وغير مسموح له التعبير عن رأيه في مدير مدرسته.. وويل له إن طالب بحقوقه ..!!
  • أيّوب السوري؛ يعرف حقيقةَ أن بلدَه أغنى البلدان، لكنه يعيش على خط الفقر العالمي… وتحت ذرائع شتى ..”ويعرف البير والغطاء..”
  • أيّوب السوري؛ يعرف أنه محروم من أدنى حقوق الإنسان في الخدمات؛ الكهرباء ؛ الماء ؛ الغاز؛ الوقود ؛ شبكة الاتصالات ، وتمييز فظيع بين المناطق والشرائح الاجتماعية… وعلى أيّوب أن يتحمَّل ..!!
  • أيوب السوري؛ فُرِضَ عليه أن ينام قبل الدجاج باكراً ..محروماً
    من كل انواع اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك …
    فأصبح يحلم بها في لياليه..!!

-أبناء أيّوب السوري؛ أصبحوا يظنّون أن الأسماك تحصد في الصحارى ..وأنهم أبناء البطة السوداء السورية..لا يحق لأحدهم أن يملك شركة استثمار ..بل محجوزة …؟

  • أيّوب السوري وأبناؤه؛ يحلمون بتناول بيضة الدجاج في الصباح ..ويخافون من التعبير عن أحلامهم ..!!
  • أيّوب السوري المتقاعد؛ عليه أن يذهب دون كرامة لتقاضي راتبه التقاعدي من الصراف الآلي..ويقف ذليلاً ليحصل على راتبٍ لا يكفيه وأسرته…. ثمن أغذية الكلاب والقطط في بيوت حيتان المال والمسؤولين الكبار في يوم واحد ..!!
  • أيّوب السوري؛ يتظاهر أنه إنسان.. ويذهب مع أسرته ليتفرج
    لا ليتسوق، كما يفعل أبناء المسؤولين الذين يتسوقون في مولات دبي والدوحة..!!
  • أيوب السوري وعائلته؛ يتساءلون من أجل ماذا قدموا أولادهم شهداء أو قتلى ..؟!
    وهل حقاً استشهدوا لدحر الإرهاب..؟!
    والذي لا يعرف حتى أيوب الذكي معنى تعريف الإرهاب ..ويظن أنها ذريعة؛ ما بعدها فضيحة ..!!
    بينما أولاد الطبقة المخملية المباركة لا يُقتَلون ولا يستشهدون، بل على الشواطئ الدافئة يستجمون، وفي معارض السيارات الفارهة يتباهون ..ومن مراكز الشراء والمولات يتسوَّقون !!
    وعلى أيّوب أن يتحمل كل هذه المشاهد ..ويحمد ربه .. ويحدث نفسه خائفاً من الانتقام ..!!

-أيّوب السوري ؛ هو من رأى أولاده أو أحفاده غرقى في البحار على الشواطئ ..أثناء الهجرة والتهجير. وأولاده إما لاجئٌ أو مهاجرٌ أو مهَجَّرٌ….أو يعيشون في الخيام.
وبعضهم يتَّهِمُ أيّوب وأولاده بالخيانة… يا لها من مهزلة الزمان..!!!

  • أيّوب السوري وعائلته؛ تعجز حكومتهم عن إطعامهم.. ينتظرون بضع دولارات من أبناءهم؛ ومن مساعدات دول (المؤامرة الكونية ) ليعيشوا بحدود الكرامة الإنسانية .. وكذلك ينتظر أيّوب السوري السلال والمعونات الغذائية ..!!
  • أيّوب السوري؛ يعيش تناقضاً غريباً بين الكرامة والعزة والفقر.
    مع ذلك ينتظر تحويلات ابنه أو ابنيه الذين يعملون كمرتزقة مع الروس في ليبيا ضد الشعب الليبي ..وضد السوريين المرتزقة التابعين لأبي عثمان أردوغان.

-أيّوب السوري؛ يعرف أنه لا أحد في الحكومة والدولة يفتقده؛ إلا وقت الانتخابات؛ بدءاً من مجلس البلديات ..أو للقتال ضد..؟!

  • أيّوب السوري؛ عليه أن يمارس طقوسه الخاصة؛ بما فيها الغيبيات واللجوء إلى المنجمين، كيلا يمرض، ولا يتعطل أي شيء في بيته، لأن المهانة والمذلة له بالمرصاد ..

-أيّوب السوري في وضع لا يحسد عليه؛ بين السير على طريق تحرير القدس ..وفلسطين.. وهل هذا سيحدث بالانتظار وتبرير وجود الأصدقاء على الأرض السورية….. وبين قبول ما يلوح في الأفق ..وما يتم الإعداد له ويصل في نهاية النفق إلى التطبيع مع إسرائيل….
قضيةٌ تمزِّقُ كيانَه وهو يرى التواطؤ من كل حدبٍ وصوب… كأن كل الأطراف تقول له: طَبِّعْ حتى تشبعَ الخبز ..!!!

  • أيّوب السوري عليه أن يتحمل رؤية أعلام دول الأعداء والأصدقاء، ترفرف في سماء وطنه… حتى لو انفجرَ عقله، واحتشَتْ عضلةُ قلبه.
    وعليه أن يتقبل الأعلام الصديقة.. والمطلوب منه قسرياً أن يتصرف وكأنه بكامل الكرامة والسيادة .
  • أيّوب السوري تحمَّلَ خلال مراحل الحرب السورية كل أنواع الجوع؛ والعطش؛ والبرد؛ والحرّ؛ وقلة المياه، حتى أصيب بالجرب والقمل.
    واستُكمِلتْ معاناةُ السوري حتى باستغلال الكورونا؛ وتحصيل الأموال على الحدود؛ وإهانته في المحاجر؛ وعدم توفر المستلزمات الطبية.
  • أيّوب السوري؛ زاد تشوّشُه بين عقله ومنطقه؛ وبين فتاوى رجال الدين السياسي؛ بتوجيهات مبرمجة لإقناع أيوب السوري وإخوانه من الفقراء، بان ما حدث في سورية ومازال..هي اختبارات ربّانية.. وإيهامه أن المؤمن مُصاب ومختَبَر ..وما عليه إلا الصبرَ والتحمُّلَ والتجلُّدَ… بينما لا ينطبق هذا الكلام على من يتقاسمون الكعكة السورية من التجارة والتهريب وأخذ المناقصات.
    ماذا قدَّمَ المستشار أبو غزالة من استشارات مالية واقتصادية، حتى أصبحت بيضة الدجاجة الذهبية ب160 ل.س لحظة كتابة هذا المنشور .

-أيّوب السوري؛ يدرك تماماً أن هناك برمجة خطية ولولبية؛ لتفريغ المواطن السوري من أي مدَّخرات.. كي يبيعَ كلِّ أشيائه؛ ومقتنياته؛ وتراثه؛ وذكريات الأهل؛ ويعيشَ من أثمانها.

هذا الأيّوب السوري؛ يعرف أن راتبه الشهري بمعدل 60000ل.س يدفعها مسؤول في الحكومة أو الدولة قيمةً لإطعام كلاب مزرعته أو قططه، يتسلى بها أحفاده في يوم واحد. وما على أيَوب إلا الصبر…!!!

  • أيّوب السوري الصابر الحيران؛يتساءل: لماذا المسؤولون ومن أعلى المستويات في الدول الصديقة..الصين وإيران..لايركبون إلا سيارات محلية الصنع. بينما السيارات الفارهة ذات الموديلات الحديثة وكل أنواع العطور والسجائر ..والكافيار متوفرة بكثرة في سورية….بينما أعلاف الدواجن غير متوفرة …
    ومازلنا نقول:قيصر..قيصر..وماأدراك ماقيصر..!!!

كان الله بعونك يا أيوب السوري…!!!

مع إهداء خاص من الكاتب إلى أيوب السوري…
أغنية ” صبر أيوب..صبر أيوب…صبرت عليك يا محبوب …!!

طابت أمسيتكم …
٢٨ آب ٢٠٢٠

نورالدين منى

*من صفحة الكاتب في فيسبوك

المسافة الفنية بين الشخصية الحكائية المتخيلة والشخصية الحقيقية.. قراءة لقصة: “إدمان” للكاتب محمد فتحي المقداد/ سورية/

المسافة الفنية بين الشخصية الحكائية المتخيلة والشخصية الحقيقية..
قراءة لقصة: “إدمان” للكاتب محمد فتحي المقداد/ سورية/


زي بوست:


بقلم الناقد – بو عزة الفرحان

نص القصة (إدمان)
(في الصف أوقفه المعلّم.. يداه للأعلى ووجهه للحائط،أصبح يتوقف طويلاً في الطابور، على باب الفرن والمؤسسة، يوم أومأ إليه الشرطي بالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ ووجهه للحائط..
كُبّلَتْ يداه خلف ظهره.
اصطدم مرّةً بلوحة تشير للتوقف الإجباري – أمامك حاجز للتفتيش- .
توقفت عقارب ساعته.. أدمن التوقّف).

1 ــــــ عتبة النص /إدمان
فما معنى كلمة “إدمان” لغة واصطلاحا
إدمان/ نقول: أدمنَ الشَّيءَ، وأدمنَ على الشَّيء: أدامَ فِعْله ولازَمَه ولم يُقْلِع عنه، داوم عليه وواظب. وبالتالي فإن إدمان الشيء كالمخدرات وغيرها، هو الإدامة عليه وعدم الإقلاع عنه، أما الإدمان اصطلاحا، هو تكرار عمل فعل معين نتيجة اضطراب في السلوك، ويقوم الفرد بعمل وتكراره. وفي مجال الطب، يعرف الإدمان بسوء استعمال المواد الكيمائيّة ممّا يؤدِّي إلى التعوّد والإدمان، كما يصبح الجسمُ عاجزا عن الاستغناء عنها.
تفكيك الخطاب وتحليله:
ا ـــ / في الصف أوقفه المعلّم.. يداه للأعلى ووجهه للحائط،/ نتأمل الجملة السردية التالية كبداية للقصة/ في الصف أوقفه المعلم/. عمل السارد على تقديم شخصية “المعلم” كفاعل وعامل في بناء حدث “الوقوف” المرتبط بالتلميذ، كحياة قائمة داخل مكان معين وهو”الصف”. حياة تتجلى في التفاعل بين معلم ومتعلم، ضمن منظومة العملية التعليمية /التعلمية. فشخصية المعلم ليست مقنعة ولا مغيبة، وهي محاولة لإقناع القارئ أنها ليست متخيلة. فالكاتب صرح بها كشخصية ذات نفوذ، لها سلطة تربوية وتعليمية على التلميذ…!
استغنى الكاتب عن تقديم المظهر الخارجي للمعلم، ولكنه قدمه للقارئ من الجانب التكوين النفسي: السلوك والتصرف والتحرك… كمساهم في تشكيل رجل الغد فكريا وثقافيا وتربويا، وفاعل في تعديل السلوك الذي يراه مخالفا لرؤيته التربوية. فالمتلقي يتخيل شخصية المعلم كقوة فاعلة في خلق حالةغير مألوفة داخل الفصل الدراسي،على خلفية وجود علاقة تربوية بين المعلم والمتعلم، مما يثير انتباهه، ويسارع للتعجب والاستغراب والاندهاش…
انطلق السارد من حدث تجلى في جعل التلميذ/المتعلم يمتثل لأمر “الوقوف”. فبعدما أخبرنا السارد بالحدث، ترك بياضا(..) أشار إليه بنقطتين(..) يدل على كلام مسكوت عليه، ليجر القارئ إلى جدلية التأويل، بأسئلة متعلقة بفعل “أوقفه”. أسئلة تكون أجوبتها هدفا لملء الفجوة التي تركها الكاتب عمدا، من قبيل: ما هو السبب؟
ب ـــ / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/جملة سردية متممة للحالة الأولى،/ فحالة الوقوف التي تمت في الزمن الماضي غير محددة. فجملة /أوقفه/ تشكل وحدة عضوية مع الجملة التالية: / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/. حالة تبدو مثيرة للجدل، ومقدمة لرفع وتيرة قوة التأثير، تجسدت كصورة لافتة للنظر، شكلها الكاتب بلغة قريبة من القارئ. صورة تختزن في بنيتها دلالات غائبة، يعمل القارئ على تفتيتها بالكشف عن ما تخبئه من جزئيات منفلتة ومعاني بعيدة / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/. وهو ما أكسب الجملة طاقة إبلاغية واضحة للقارئ، ليحدد موقفه بالرفض أو القبول.. صورة تبدو ثابتة، ولكنها تنبض بحياة صامتة. صورة غريبة وصادمة، تفجر عدة أسئلة منها: لماذا أوقف المعلم التلميذ؟ ما هي الأسباب؟ أهو يريد عقابه؟ وما هي طريقة العقاب التي اختارها المعلم؟ أهي فعالة أم خاطئة؟ وما نجاعتها في التقويم التربوي؟…
اختار السارد مكان الفصل لتشخيص الحدث، وهو مكان ضيق ومغلق، ولكنه مكان يستوعب حركة الحدث وتجسيده، حدث قد يتكرر أمام التلاميذ على فترات زمنية متقطعة. فحركة العقاب كانت تسري على كل التلاميذ، ولكن السارد اختار حدثا من حوادث كثيرة، كانت تقع في الفصل، كصورة، أو لقطة، أو لحظة مؤثرة، قدمها للقارئ كمحفز ليتخيل ملامح التلميذ الغائبة عنه، ويتعاطف مع حالته النفسية. كأن التلميذ حاضر أمامه، يشاهده عن قرب، ينتظر، ويترقب كيف يكون موقف التلميذ، وهو يجسد مقطعا من مسرحية قصيرة، فيتسائل القارئ بعفوية عن مدى تأثير الفعل على التلميذ في المستقبل.
فما دامت القصة القصيرة جدا تعتمد على الإيجاز والتلميح، والتصوير لحياة واقعية أو متخيلة، دون اللجوء إلى الجزئيات والتفاصيل، فقد اختزل السارد صورة مقتطعة من الواقع التعليمي /التربوي في بضع كلمات، كحدث قد يجرى في الواقع أو في المتخيل.
فالتصور التقليدي للشخصية، كان يعتمد على رسم الملامح العامة والصفات المكونة لها، والكثير يخلط بين الشخصية الحكائية، والشخصية في الواقع العياني. مما دفع بالناقد الفرنسي ( ميشال زرافا ) إلى التمييز بين الاثنين، فجعل الشخصية الحكائية مجرد علامة فقط على الشخصية الحقيقة”(1)
فمن خلال هذا القول، يتبين أن شخصية المعلم في القصة، ما هي إلا علامة تنوب عن شخصية المعلم الحقيقية. فالكاتب استغنى عن الملامح الجسدية، والصفات الخارجية التي يتميز بها هذا المعلم كما قلت سابقا. ولكن القارئ يتصور شخصيته من خلال سلوكه وتصرفاته، ليتخيل نمط الشخصية التي صنعها الكاتب. يقول الدكتور أحمد العزي صغير “فالقارئ نفسه يستطيع أن يتدخل برصيده الثقافي وتصوراته القبلية ليقدم صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية.”
يقول الكاتب عبد الرزاق اسطيطو “فالقارئ المتلقي الماهر بتعبير تودوروف، يستطيع برصيده المعرفي، وبتصوراته ورؤاه أن يقدم لنا صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية. وهذا ما لخصه بدقة، وعبر عنه فليب هامون بقوله، بأن الشخصية في الحكي هي تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر مما هي تركيب يقوم به النص”. ( 2)
فشخصية المعلم ليست محددة، والتلميذ الذي شخص الحركة غير محدد، فالقارئ يتخيل شخصيتهما من خلال حركة الأمر والامتثال، ليكتشف بنفسه التضاد الموجود في الحدث، والذي يكمن في السلطة والطاعة. فحدث”الوقوف” بهذه الطريقة جرى في الفصل، فلم يعد الحدث حبيسا بين جدران الفصل، بل امتد وترسخ كعادة يمارسها التلميذ في حياته، عادة أصبحت كجزء من مكونات شخصيته، يمارسها التلميذ/ الرجل في فضاءات مفتوحة.
ونعود لتعريف “الإدمان ” الذي ذكرناه سابقا، فالتلميذ أدمنَ على عادة الوقوف/ و/ رفع اليدين إلى الأعلى،/ والوجه إلى الحائط./ بالطريقة التي خلقها المعلم عن طريق التكرار، والتعزيز طيلة زمن الدراسة عند المعلم. فقد لازمته تلك العادة في كل مناحي الحياة، يداوم عليها، ويواظب على ممارستها دون وعي، فمن الصعوبة يتمكن من الإقلاع عنها.
امتلك الحدث شخصية التلميذ، فقام بالفعل دون مقاومة، ودون اعتراض، مما ساهم في تطور الحدث عبر الزمن وعبر أماكن مختلفة. فرغم غياب المعلم، فإن سلطته ما زالت سارية على التلميذ في فضاءات اجتماعية متعددة. يقول السارد:
ج ـــــ /أصبح يتوقف طويلا في الطابور، على باب الفرن والمؤسسة،/ ذكر الكاتب ثلاث محطات: / الطابور، / الفرن/ المؤسسة/. ويمكن أن تمارس عادة الوقوف في مواقف عديدة، فهذه العادة أصبحت مكتسبة وليست فطرية. فالسارد اجتنب الكثير من الشروح والتفسيرات لإخبار القارئ عن سبب ذلك؟ لكنه لمح للمؤثرات السلبية لعادة التوقف من خلال أشياء /الطابور/الفرن/المؤسسة/ التي أصبحت بدورها تنبض بالحياة، كما أنها لعبت دورا مهما، كصور مؤثثة لفضاءات مفتوحة من أجل تطور الحدث وتنميته. مما يفسح المجال للقارئ أن يتخيل ويتصور، ويدخل في دوامة الاشتباك مع شخصية المعلم، كاللوم والعتاب، ونقد طريقته التربوية في العقاب والجزاء. والتعاطف والدفاع عن التلميذ البريء. كل ذلك القلق، سوف يوقظ انفعالا وتوترا وتساؤلا في نفسية القارئ، فيحدد موقفه إما بالقبول أو الرفض. كيف أصبح هذا التلميذ مبرمجا؟ هل يمكن تعديل هذه العادة؟ هل يحتاج هذا التلميذ إلى إعادة تأهيله وتوجيه سلوكه؟ هل يحتاج إلى المساعدة النفسية؟ هل يحتاج إلى معالج؟ ما هي الخطوات الناجعة التي يجب إتباعها؟
د ـــ/ يوما أومأ إليه الشرطي بالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ ووجهه للحائط../نتأمل الجملة السردية التالية
كُبّلَتْ يداه خلف ظهره./ لا نعرف سبب توقيف الشرطي لشخصية التلميذ، وربما أصبح رجلا، فزمن اعتقاله غير محدد. وإنما هو زمن ضمني متخيل، فاصل بين مرحلة الدراسة ومرحلة بعيدة عنها. ولتعزيز ما حكاه السارد، يتبين للقارئ أنها عادة موروثة من القديم، وطريقة العقاب قد تتشابه، وقد تكون مشتركة بين كل الشعوب، خاصة عند مطاردة المجرمين من طرف الشرطة. حادثة توقيف الشرطي للبطل كشخصية متطورة ومتحركة، قد تبدو منفصلة عما سبقها من تكريس العادة في نفسية البطل، لكنها مرتبطة بما رسخه المعلم من عادة الوقوف، مع إضافات مؤثثة للمشهد/ الشرطي بدل المعلم/ الوقوف على رجل واحدة/ وضع القيد في يديه/. هناك تكامل بين ما تعلمه التلميذ في صغره، وما يطبقه في كبره، فرضية تعزز امتداد نوعية العقاب عبر الزمن، وعبر امتداد عمر الإنسان. والاختلاف بين الأمس واليوم، يتجلى في قيمة خطورة البطل. فالجريمة متنوعة، تقاس بخطورة الجرم، لكنها تختلف بين ما هو تربوي وما هو قضائي.
***
فالبطل لم يقاوم، ولم يهرب، ولم يدافع عن نفسه، بل انقاد واستسلم، لأنه متعود على الوقوف منذ صغره مهما اختلفت الوضعيات وتعددت. والسؤال: ما هو الارتباط القائم بين تصرف المعلم وتصرف الشرطي؟ فالسارد يريد أن يقول للقارئ شيئا، لكنه لم يصرح به، ولكنه لمح إلي عملية خطيرة تتم في الغياب، وتتجلى في عملية تطويع أفراد الشعب على الامتثال والطاعة والخنوع منذ الصغر، ليكون الشعب مستسلما ولا يبدي أي مقاومة، عملية تسهل قمع كل الاحتجاجات والمظاهرات، وعدم المطالبة بالتغيير، وعدم نشوء معارضة خفية …. فالسارد يشير ضمنيا على القمع الممارس على الشعوب الضعيفة، ورغم أن حالة توقيف الشرطي للبطل فيها نوع من السخرية اللاذعة، فإنها مأخوذة من الواقع، كمشهد أصبح معتادا في نظر أفراد الشعب. فقد يتساءل القارئ عن مصدر هذا الإذلال المقصود؟ وما هو غايته؟ وما هو المشترك بين التربية التعليمية /التعلمية في المدارس، والتربية المدنية الاجتماعية التي تقوم على التعسف، والتنقيص من شخصية المتعلم والمواطن؟ إن مثل هذا السلوك يكرس ديكتاتورية مقنعة بحرية فارغة من المضمون.
ه ـــ /اصطدم مرّةً بلوحة تشير للتوقف الإجباري – أمامك حاجز للتفتيش- ./ لا يمكن اعتبار هذه الجملة السردية تفسيرا لما سبقها، فقد اختلفت عن الوضعية السابقة، رغم أنها مرتبطة بها من خلال الصورة والمشهد. لكن السارد عمل على إدخال حركة جديدة للتنوير وبلورة فعل العادة التي تحولت إلى قانون يفرض الوقوف /الامتثال/ الخضوع/. فالسارد ولد حياة في اللوحة، تساعد على تنظيم الوقوف، وتقنينه في غياب القانون المسطر على الورق. فجعلها تتكلم وتحاور، وتتضمن التنبيه والتحذير من عواقب رفع الرجل، والوجه للحائط، وتكبيل اليدين. عادة سببت للبطل الخوف والرعب، والتوجس. ولكي يؤكد السارد على الحالة النفسية المشروخة للبطل، وضع النص المكتوب على اللوحة بين عارضتين: – أمامك حاجز للتفتيش- ./ وهي جملة تفسيرية أو اعتراضية تعترض بين شيئين متلازمين لتقوية الكلام وتسديده وتحسينه. فقد استغنى السارد عن فعل الأمر/قف/ ما دامت الجملة الاعتراضية /- أمامك حاجز للتفتيش-./ لا يمكن أن تعوض بمفرد. ومن تم فهي إنشائيّة.
إن حالة الاصطدام باللوحة سواء كان متخيلا أو واقعيا، فإنه يخفي الكاتب وراءه قضايا مشابهة أو متقاربة تقع في الخفاء، قد لا يلاحظها عامة الناس. فالبطل/التلميذ ما هو إلا نموذج شكله الكاتب في قالب فني مقتطع من الحياة العامة، داخل مجتمع متبعثر، ومختلف عن ما هو مألوف.
/- أمامك حاجز للتفتيش- ./ البطل يخاطب نفسه، ويحثها على الانتباه. يحدث نفسه: حذار /أمامك حاجز للتفتيش/. فبناء على ما ترسخ لديه من سلوك مشابه، والذي تعلمه على يد المعلم والشرطي، تم خلق شخصية جديدة غير مألوفة.
و ـــ / توقفت عقارب ساعته.. أدمن التوقّف/ شبه السارد حالة البطل بساعة الزمن التي تتكون من أرقام وعقارب، فلم يعد البطل مقيدا بزمن الوقوف، فهو يمارسه في كل الأزمنة والأمكنة. فالزمن لديه قد توقف نهائيا، فالحاضر مغيب في ذهنه وشعوره ووعيه، فهو يعيش دوما في الماضي، والزمن يعود به دوما إلى الوراء، فمن الصعب يمكن اختراقه أو تكسيره للعيش في زمن خال من الوقوف والتوقف. فأصبح مدمنا على الوقوف في أي مكان وفي أي وقت. فقد عبر السارد عن هذه الحالة بالإدمان المستمر طول حياته./ أدمن التوقّف/
والجملة الختامية جاءت مفسرة وشارحة للحالة التي وصل إليها البطل في النهاية، وهي حالة الإدمان على الوقوف، وبذلك يكون السارد قد أعد مسارا ثابتا للبطل لا يتغير عن طريق ما يسمى: الشكل الدائرى كفضاء مغلق تجري في الأحداث رتيبة ومكرورة، والبطل يدور في دائرة مغلقة، لها انطلاقة تعتمد على مرتكزات زمنية معلنة،/ زمن الوقوف داخل الفصل/زمن التوقف في الطابور/ زمن الوقوف على باب الفرن والمؤسسة/ زمن التوقف من طرف الشرطي/ زمن الاصطدام باللوحة/ زمن التوقف الإجباري/ زمن توقف عقارب ساعته / وأخيرا، توقف الزمن، وعودته إلى الوراء نحو الماضي (زمن الدراسة).
يقول يوسف حطيني ” وقد تتغيّر المرتكزات في قصة أخرى، قد تطول كثيرا، وقد تقصر كثيرا أيضا، وربما تختفي وتبقى الصياغة اللغوية التي تدلّ على التعاقب. أما في الشكل الدائري، فإن ثمة شيئا ما يدوّر الحكاية، الحدث أو اللغة أو الصورة، أو أي شيء آخر ينتج حدثيا أو بنائيا، شيئا يشبه ما تسميه البلاغة الشعرية العربية (ردّ العجز على الصدر)، حيث تنطلق البداية مرة أخرى على شكل نهاية.” (3)
ز ـــ / أدمن التوقف/؟ فهل يمكن الاستغناء عن الجملة الأخيرةلتبقى القصة مفتوحة، لكن، نجد قصة “إدمان ” تنتهج بنية دائرية، تعتمد على بنية سردية مشحونة بالحالات والوضعيات، يمكن إعادة إنتاج بدايتها في شكل نهاية، لتصنع مفارقة لفظية لحدث الإدمان الذي بقي مستمرا إلى ما لانهاية، ويتجدد عبر الزمان والمكان بشكل ممتد ومتقطع، بدايته تنطلق من زمن المعلم، وما خلفه من عادة الوقوف في نفسية التلميذ إلى ما لا نهاية، فالنهاية أصبحت بدايات متعددة.
تركيب واستنتاج
نص قصصي يختزل رواية من روايات الكاتب محمد فتحي المقداد، وقد يجود بها على الأدب العربي مستقبلا. فالكاتب اختزل فترات زمنية من عمر الإنسان في كلمات قليلة، قصة تميزت بسرعة حكي الحدث، وتشخيص وضعيات مترابطة تشكل بنية متكاملة للنص، يدخل فيها التلميح والمشابهة، والتجاور. والقفز الجيد عن أحداث غيبها السرد عنوة. فترات عمرية قد تبدو منفصلة، لكن تلك الفترات تشكل وحدة عضوية، ممتدة عبر خطية سردية محكمة، تبتدئ بزمن الطفولة إلى زمن الرشد والرجولة. بداية تنطلق من مكان الفصل الدراسي إلى أماكن متعددة في الحياة. فلكل مكان زمانه وأحداثه، فزمن الحكاية ليس محصورا في زمن البداية، بل يتوزع حسب تطور الحدث، وحسب نموه، وحسب تنوع حالة البطل، وتنقله من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. ثم يعود ثابتا بعدما يتوقف في بداية الانطلاقة /الماضي..
فماذا تعلم هذا البطل/الطفل في المدرسة؟ لقد تعلم عادات ومهارات سيئة، امتدت معه طول حياته في البيت، في الشارع والمجتمع، تعلم الصبر على الوقوف، والانضباط، والخنوع حتى أصبح مبرمجا على عادة التوقف ووجهه للحائط. فمات التمرد الإيجابي في نفسية التلميذ. ولم يعد بإمكانه الاحتجاج والدفاع عن نفسه. غاب الحوار بين التلميذ والمعلم، وغاب التوجيه الصحيح لتعديل سلوك التلميذ إن كان مشينا، فهو لا يعدو أن يكون جرمه اعتداءا على صديق له/عدم إنجاز الفروض/ عدم الحفظ/ عدم متابعة الدرس/ الحركة الزائدة منه/ سرقة قلم لصديقه/ الشغب الطفولي……فالتربية التي تبنى على عملية الترويض السلبي والتطويع المهين هي تربية فاشلة. فكل ما اكتسبه هذا التلميذ هو مهارة اللامتثال لعادة جنت على حياته في الحاضر والمستقبل. مهارة تعادي نفسه وذاته، وتحطم فاعليته في المجتمع.
فرغم أن مهارة “الوقوف” مكتسبة، فإن من الممكن تعديلها وتكييفها لتكون إيجابية عند الحاجة، رغم أن عملية التعديل ستطول. فعندما يكبر هذا الطفل، لا يستطيع أن يتنازل عن ما تعلمه في الصغر من عادات سلبية بسهولة، فهو يحتاج إلى تنوير جديد، وقيادة جديدة. فعادة الوقوف كعقاب رتيب ومتكرر قد انطبعت في عقله وفكره، وأصبحت جزءا من كيانه ووجوده.. ولا يمكن أن يغير حياته ويكيف نفسه مع كل ظرف طارئ وحده.
النص يشير إلى عملية التعلم المبني على التطويع الفردي الذي يبقى جزءا لا يتجزأ عن تطويع أفراد المجتمع.. تعلم يغيب الهدف الأسمى للتربية، لا يسمح لإنسان الغد أن يتدرب على الخلق والابتكار، وكيفية تحسين المستوى المعيشي لنفسه ومجتمعه، تعلم يعتمد على سلب الإرادة والطاقة، وقبر حرية التصرف عن طريق التطويع والترويض السلبي. إنه إدمان مضر بالفرد والمجتمع.. إدمان ينتج شعبا متخلفا يعيش على النمطية والنسخة الواحدة والتبعية.
نص قوي، شيد بمهارة سردية متميزة.. ينتقد بشدة ما بنته طرق التربية التقليدية في نفوسنا، وذواتنا من قيم سلبية. دون إفساح المجال للطفل أن يستخرج طاقاته الصامتة، والمخزنة في نفسه وذاته وذهنه. فدور المعلم هو تعزيز ما هو إيجابي من السلوك وتقويته، وتعديل ما هو سلبي في النفس والمجتمع مستقبلا.
وختاما
يمكن اعتبار النص القصصي “إدمان” كنص أدبي تخييلي، يقابله نص آخر واقعي، قد تجسده شخصية التلميذ من طفولته إلى رجولته، وهو يعيش دوما في واقع مبعثر تنعدم فيه الفاعلية والحيوية، لأنه يسير على نهج حياة موحدة السلوك والتصرف، وثابتة لا تتغير من جراء تربية خاطئة في السابق. فالكاتب لم يسرد الواقع كما هو، وإنما انطلق من حالات، ومشاهد، وصور ملتقطة للبطل/التلميذ في حياته اليومية إلى ما نهاية، دون أن يعلق على الأحداث، أو يفصل أو يفسر، تاركا النص القصصي منفتحا فنيا على التأويل. ومحفزا للقارئ لفتح النص من خلال تقافته وتجربته، وموقفه…. واستحضار الجزئيات والتفاصيل الغائبة في النص. فالكاتب استثمر العلامات والرموز اللغوية، لتشخيص مشاهد ملتقطة من الواقع التربوي في الفصل الدراسي والمجتمع المدني، والذي يبقى موضع تساؤل وجدال حول عيوب التربية السالبة لحرية التلميذ.
___________
1 ـــ نحو رواية جديدة: آلان روب جرييه , ت . مصطفى إبراهيم , دار المعارف – مصر /ص: 35
2 ــــ عبد الرزاق اسطيطو/مفهوم الشخصية من التخييل إلى التأويل قراءات نقدية/صحيفة المثقف –العدد/5103/24/ 06/2016
3 ـــ أشكال الحكاية في القصة القصيرة جداً/ يوسف حطيني نشر في بيان اليوم / يوم 08 – 09 – 2013

المملكة المغربية
22/ 8/ 2020

أغنية: صاحب القهر المعتق.. إبداع سوري من الطراز الرفيع

صاحب القهر المعتَّق

قصة الألم السوري

كلمات: #ظافرصالح الصدقة
غناء و ألحان: #سميرأكتع تصوير: #فريدمحلول
شكراً لكل من ساهم بإنجاز هذا العمل .
رابط يوتيوب: https://youtu.be/0rwkZmP6a5k
رابط ساوند كلاود : https://soundcloud.com/user-118470260/8ajj1fgadc6t?ref=clipboard

أغنية: صاحب القهر المعتق.. إبداع سوري من الطراز الرفيع

ليلة من ليالي الشرق في كولن حيث اجتمع سحر اللحن مع عذوبة الصوت ورقة المعنى

ليلة من ليالي الشرق في كولن حيث اجتمع سحر اللحن مع عذوبة الصوت ورقة المعنى



زي بوست – محمد إقبال بلّو



في ليلة جميلة من ليالي الشرق اجتمع الشعر والطرب والمسرح بعشاقه ومحبيه، في مكان صغير مكسو بالعشب الأخضر ضمن حديقة عجيبة احتوت وبأمسية واحدة تنوعا في النشاطات، إذ وبحضور الثقافة الشرقية ضمت الحديقة عرسا رومانيا ووقفة سياسية كردية تركية.

على جانب من كل هذا الصخب وفي البقعة المخصصة للنشاط الشرقي، والذي حضّر له وأعده منتدى الطعان الثقافي وبجهد كبير ومتميز من الأستاذة سميرة والأستاذ هيثم الطعان، بالاشتراك والتعاون مع دار الثقافة في كولن ومركز الفكر العربي، في ذاك الجانب أضاءت الكلمات ورقصت الألحان وشدا الحضور كما لو كانوا عصافير على الأشجار انتظرت لقاء بعد طول غياب نتج عن تفشي الفيروس الخطير.

بدأت الأمسية مع الطرب العربي فكانت فرقة ارتجال نموذجا إبداعيا يستحق أن يفتتح نشاط كهذا به، شبان يقدمون أنفسهم على أنهم هواة، لكن الجمهور قال كلمته بوضوح وأكد على أنهم فنانين محترفين كبارا، صوت المغني جان عيسى وكمان آراس عمر وعود قاسم العيسى وناي روناس شيخموس بالإضافة إلى إيقاع محمد تيسير الإدلبي وبزق آراس عبدو، كل تلك الأوتار الأصيلة أضفت طقسا من الدفء والتحليق ما بين اللحن والكلمة، ليستعد الجمهور للفقرة التالية.

محمد زادة الشاعر المحبوب شخصا وشعرا من قبل الجميع، أنشد للحب وللوطن وللحرية والإنسان، فجذبت كلماته القلوب وأشعلت الذكريات بداخل الجميع، قرأت السيدة دانة خميس من مركز الفكر العربي ترجمة لنصوص الشاعر زادة وغيره من الشعراء إلى اللغة الألمانية، بخطوة جميلة لا بد منها في ظل حضور ألماني متميز، فاجأ الشاعر زادة الحضور بتقديمه لشاعرة شابة تكتب الشعر باللغة الألمانية، فكانت أميرة الأمسية بما قدمته من ومضات شعرية مؤثرة لفتت انتباه جميع الحضور، كانت أميرته الجميلة ابنته يارا، والتي ترجم قصائدها للعربية الشاب الأنيق ميلاد جرجس من مركز الفكر العربي.

تلا ذلك فقرة مسرح صامت أداها المسرحي المغربي بدر الحطيئة، ليستمر بفقرة شعرية، تمت ترجمة بعض منها للغة الألمانية أيضا.

الشاعر العراقي مفيد البلداوي تميز بإلقائه المختلف والمتميز، وألقى قصائد يكسوها الهم والحزن العراقي، كما لونها ببعض أمل ونظرة تبحث عن النجاة.. نجاة الفرد التي تولد من نجاة وطن.

الاختتام كان مع فرقة ارتجال كما كان البدء، وذلك بوصلة فنية عربية كردية، تضمنت القدود الحلبية، وأغان من التراث الكردي السوري والتراث العراقي، ثم كان المطر والذي بدأ لطيفا رقيقا مازاد الجلسة أنسا وسحرا، وعندما اشتد قرر هو (المطر) لا المشاركون والحضور، إنهاء هذه الليلة الساحرة من ليالي الشرق، بينما كان يأمل الجميع بلقاءات قادمة ويتمنون ألا يطول انتظارها.

رمزية السّماء والتناصّ القرآني في مجموعة (خطيئة الظلّ) للشاعرة أماني المبارك

رمزية السّماء والتناصّ القرآني في مجموعة (خطيئة الظلّ) للشاعرة أماني المبارك


زي بوست: محمد فتحي المقداد


جدّي الأوّل ابن آدم فكّر كثيرًا في ملاحظة، ومتابعة ظلّه على مدار زمان طويل؛ فحفظ مؤشّراته، ودلالاته على وقت ابتكره لنفسه، تبعًا لحركة الشّمس التي هي أمُّ الظلّ، وضياؤها أبوه. أعتقدُ جازمًا أنّ مغامرة جدّي انطوت إصرارًا للّحاق بالزّمن، ومحاولة القبض عليه. لتنتهي حكايته الزمانيّة بالموت الذي لم يكن مُصادفة، لأنّ وجوده أصبح سلبيًّا بالنسبة للأحياء بتناقضه معهم، وكل اتّصال ينتظره انفصال حتمًا. بينما الطّيور التي تولد في الأقفاص تعتقد أنّ الطّيران جريمة. وربّما الجهات تبثُّ خبرًا صادمًا: “أن لا عيون للبوصلة”.
وما الفائدة من مخاطبتي لظلّي، إذا بدا لي، وساءلته عن حالي..!!. يبدو أنّ الظلّ هو النسخة المُزيّفة عن ذوات حقيقتنا، وبسواده لم يعط عنّا إلّا الجانب السّوداويّ، ولولا النّور لما خُلقّ الظلّ، وهو آية من آيات الله.
يتّضح المعنى هذا بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) (45\سورة الفرقان). ومدّ الظلّ يبتدئ مع أوّل خيوط الفجر إلى غياب الشّمس، ولو شاء لجعله دائمًا لا يزول, ممدودًا لا تُذهِبه الشّمس, ولا تُنقصه ولا تُزيله. )ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا( أي أنّها أخرجت ذلك الظل فذهبت به، وقوله تعالى: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) ثم قبضنا ذلك الدّليل من الشمس على الظلّ إلينا قبضًا خفيًّا سريعًا بالفيْء الذي نأتي به بالعشيّ.
بعد هذه المقدّمة أعود لموضوع دراستي، مجموعة (خطيئة الظلّ)، فالعنوان عتبة المجموعة بدلالاته الخفيّة، وبإشكاليّة دلالته، الخطيئة إذا كانت جريمة مُقترفة بحق كائن؛ فصاحبها مُجرم، وإذا كانت ذنبًا بطريق الخطأ بحق الله مثلًا؛ سيغفره الله لعبده إذا تاب بنيّة عدم العودة إليه، إذا كان بحق شخص لابدّ له من الاستسماح، وطلب الصّفح.
بينما في حالتنا فمن اقترف الخطيئة هو (الظلّ) الوهم الذي نتوهّمه أنّه شكل جديد لنا، رغم أنّه شيءٌ آخر تمامًا، لأنّه وهْمٌ وزيفٌ، وهو صورة مُشوّهة عن الحقيقة المُنعكِس عنها، ولا يمتً لها بصلة أبدًا.
فلماذا لجأت الكاتبة للظلّ، وقرنته بالخطيئة؟. تساؤل جدير بالتوقّف عليه، حينما نعلم أن المجتمع المُحافظ يعتبر المرأة المُتعلّمة جريئة وخطيئة، فما بالك إذا كتبت كلمات تُعبّر فيها عن أشياء خفيّة في نفسها، وتُفصح فيها ذاتها. أعتقدُ هنا أنّها لجأت للظلّ لتقترف خطيئة الكتابة بمفهوم يضيق ذرعًا بمفهوم المرأة الشّاعرة، رغم تناسي (الخنساء، وليلى الأخيليّة، وليلى العامريّة، وعائشة التيموريّة، فدوى طوقان، نازك الملائكة) هذا على سبيل المثال لا الحصر. قلم تكنّ الأديبة (أماني المبارك) بدعًا عن هذه الطّائفة من النسويّة التي فاقت كثيرًا من الرّجال.

رمزيّة السّماء:
*(في فضاء الأنوثة مجهر قلبي) ص15، وبشكل عام فإن الفضاء دالٌّ على السماء لاتّساعها، الذي شبّهت به فضاء الأنوثة بالسّماء.
*(باشتعال ارتعاشات الدخان، تلفني حلقاتها) ص15، والدّخان لخفّة وزنه يتصاعد إلى الأعلى، وسُحُبه تتبدّد في السّماء الفسيحة.
*(إلى مجرة دمعك) ص16، والمجرّة لما فيها من الكثير من الكواكب والنّجوم، كـ(درب التبّانة) هي من لزوم السّماء، التي تحتوي على مجّرات أخرى.
*(باتت طبول تقرع في المحراب) ص17+ (كصوفيّ ردّد تراتيل الهوى)+ (أغض البصر عن المناجاة) ص23. بالتوقّف أمام كلمات (المحراب، تراتيل، المناجاة) فهذه من صفات المؤمنين والعُبّاد والزّاهدين، وبأدعيتهم هذه يتوجهون فيها لربّ السماء، بنيّة يقين الاستجابة.
*(لا ظلّ يحتويه سواها) ص27. والظلّ هو انعكاس أو الوجه الآخر السفلي للسماء.
*(أغادر باب السماء، أصيّرني قطرة لعتبة غيمة لا تهطل) ص29. بالتأمل بكلمة (قطرة، غيمة، تهطل)، هذه الكلمات إعلان عن السّماء القادمة منها.
*(يأخذك أديم الأرض، كيف خفق أرواحًا بلون الحنطة) ص30، وأديم الأرض هو الوجه السّفلي للسماء، وخفق الأرواح إلى خالقها في السماء.
*(حرف سماويٌّ.. دهشته كزرقة البتول) ص32+ (هناك حلم يلوح في أفق المواني)، والأفق كذلك جزء من السماء.
*(تذكّر أوّل طفلة حَبَتْ نحو النّور، تعانقُ جرائد السّماء) ص33. الخليقة كلّها منذ البدء، ومع بداية تفتّح وعي المولود عيونه لا تترك التطلّع إلى السّماء أبدًا، وهذه من المشاهد المخفيّة خلف التعابير الشعريّة عند (أماني المبارك).
*(تذكر آخر القصيدة التي أشرقت بلون الشمس، وتجمّلت كالبدر، تحولت إلى مجرّة تناقضات) ص34. (الشمس، القمر، المجرّة)، وهي آيات عظمي من آيات السّماء.
*(أرهقها الغياب، وأسقطها في فم المطر، على رمش القمر) ص36. ومثل ذلك (المطر، القمر).
*(على طاولة أعمارنا المثقلة بالشقوق.. لحظة غروب) ص38. والغروب والشروق من لوازم تعاقب الليل والنهار، وكل فعلهما يبتدئ وينتهي بفعل دوران الأرض حول نفسها، وظهر الشمس على أجزاء من الكرة الأرضية، وغيابها عن أجزاء أخرى.
(في توقيت ساعتها الرملية، يقلبها القدر ثانية) ص44. والساعة الرملية لزوم الزمن وحساباته، وهي نتيجة حتمية لحركة الكون وتعاقب الليل والنهار.
هذه طائفة م الأمثلة جئت بها تدليلا على رمزية السماء في مجموعة (خطيئة الظلّ)، وليس على سبيل الحصر.

التناصّ القرآني:
كثيرًا ما يلجأ الأدباء للاستعانة ببعض المعاني اتّكاء على بعض النصوص القرآنيّة أو الأحاديث النبويّة الشريفة، أو بعضًا من أقوال العظماء والقادة في العالم القديم والحديث، بإعادة تدوير المعنى؛ لإنتاج معنى آخر جديد يتناصّ مع الأساس الذي قام عليه، بما يضفى ناحية جماليّة للقصيدة. ومقابسة بين الماضي ليكون طريقًا للنهوض إلى المستقبل. وللخروج من قوالب شعرية رتيبة.
*تقول: (لقارئة الكفّ التي تخبرني: عن امرأة بلاد الحنطة). ص32+ (هكذا تكون امرأة التعاويذ) ص27= فهذه العبارة: (كذب المنجّمون ولو صدقوا)، ليست آية ولا حديثاً، وإنما هي من العبارات الصحيحة المعنى، التي اشتهرت على ألسنة الناس، وتتوافق مع مفهوم الإسلام لعمل المنجمين بمطالعة الغيوب.
*تقول: (النساء المعتكفات في عباءة الكيد) ص22= وفي قصة نبيّ الله يوسف عليه السلام، وما حدث من كيد امرأة العزيز، بمراودته عن نفسها، فاستعصم، عندما همّت به، التّناصّ مع الآية الكريمة: (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (سورة يوسف 28)
*تقول: (تكوّرت كالعرجون القديم) ص39= التّناصّ مع الآية الكريمة: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (سورة يس/39) بمعنى أن القمر إذا سار في منازله، وكان في آخرها دقّ وتقوّسَ وضاقَ، حتى صار كالعرجون القديم، وهو العرجون هو العذق اليابس المنحني من النخلة.
*تقول: (وربّ الفجر) ص42= التّناصّ مع الآية الكريمة: (والفجر.. وليالٍ عشر) (سورة الفجر 1و2)، قسم بالفجر وعشر ليال من ذي الحجة. وإذا أقسم الله بشيء لإظهار أهميّته في الكون والحياة.
*تقول: (والقلب إذا انفطر) ص52= التّناصّ مع الآية الكريمة: (والسماء إذا انفطرت) (سورة الانفطار 1) أي انشّقت.
*تقول: (اقرأ واقترب) ص74= التّناصّ مع الآية الكريمة: (واسجد واقترب) (سورة العلق 19).
*تقول: (وأنت تقترب من صلصالي) ص80= التّناصّ مع الآية الكريمة: (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (سورة الرحمن 14). والصلصال هو الطين، أو الطين اليابس.
*تقول: (في ليلة مباركة ليلَكِيّة) ص91= التّناصّ مع الآية الكريمة: (إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) سورة الدخان آية3، أقسم جلّ ثناؤه بهذا الكتاب, أنه أنـزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر (إنّ أنزلناه في ليلة القدر).
*تقول: (كأنها السراب) ص97= التّناصّ مع الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (سورة النور39).
*تقول: (لا أنتَ تُزَمّلَني) ص106= التّناصّ مع الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (سورة المزمل 1+2) وهو المتزمّل في ثيابه، ومثله في ذلك المعنى ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (سورة المدّثر 1) يا أيها المتدثر بثيابه عند نومه. وتذكيرنا بقصة النبي مع زوجته السيدة خديجة عند عودته من الغار خائفًا، عند مجيء الوحي جبريل له بالرسالة، وأمره بالقراءة، بقوله: (اقرأ)، فردّ النبيّ: “ما أنا بقارئ”.
وفي النهاية فإن مجموعة (خطيئة الظل) للأديبة (أماني المبارك)، مليئة بالجماليّات اللغويّة بتراكيبها، والصّور الشعريّة والتشابيه، وهناك من النصوص القويّة التي بحاجة لدراسات نقدية مستفيضة؛ للإحاطة بالجوانب المشرقة، والمضيئة؛ للتوقّف على أعتباها واستخلاص جماليّاتها، وتقديمها للقارئ. وهي مجموعة مثقفة عميقة الغور في أعماق التاريخ ودروسه، والواقع ومآسيه بعين حاذقة واعية.

عمان – الأردنّ
ــا19\ 7\ 2020

ماهر حميد: (أنا والجحشين).. قصة واقعية جرت أحداثها بمبنى نقابة المهندسين في الرقة

ماهر حميد: (أنا والجحشين).. قصة واقعية جرت أحداثها بمبنى نقابة المهندسين في الرقة



زي بوست:



دعيت فيمن دُعي من المهندسين من قبل محافظ الرقة لمناقشة المخطط التنظيمي للمدينة، بحضور الوزير. كنت معتدَّاً بإمكانياتي العلمية التي اعتقدتُ أنني دعيت بسببها.. ولأنني أعلم أن المخططات التنظيمية تحتاج إلى دراسات نظرية لا تقل عن خمس سنوات قبل البدء برسم المخطط فقد قلت في نفسي إننا سنكون مشغولين جداً خلال السنوات الخمس القادمة!
جلس المحافظ ومعالي الوزير إلى المنصة وفي الصفوف الأولى جلس الرفاق الذين يحضرون كل شيء يخص الهندسة والطب والتصنيع والفلاحة والسقاية والرفادة.. فهؤلاء هم الكوادر المناضلة التي تعرف كل شيء، حتى إنها تعرف ما يجول في الأنفس!.. وجلسنا نحن في الصف الثاني وما يليه كلٌّ بحسب تقييمه الأمني: العضو العامل، فالنصير، فالمؤيد، فالحيادي الإيجابي، وفي آخر الصفوف يجلس الحيادي السلبي، وأما أصحاب الأفكار الهدامة وجماعة اليمين العفن وعملاء الاستعمار فلا مكان لهم في مشروع المخطط التنظيمي الذي سيصبح واحداً من منجزات الحركة التصحيحية المجيدة.
وبينما كنا نتوقع أن يبدأ صاحب المعالي بمخاطبة المهندسين، ويحيطهم علماً بحجم مسؤولياتهم القادمة، قام هو والمحافظ بتفجير قنبلة تنظيمية من العيار الثقيل، إذ رأيناهما، فجأة، يُرْجِعَان كرسييهما إلى الخلف، ويتوجهان إلى الستارة الخلفية ويزيحانها بتناغم ثنائي مدهش، حتى ظهر المخطط التنظيمي المرسوم والملون وفوقه تجثم صور السيد الرئيس.
ضجت القاعة بالتصفيق، وعمت فيها الأفراح وارتفع صوت النباح البهيج، وعلت الدهشة وجوه الحاضرين بما فعل الوزير المُلْهَم والمحافظ المُلْهَم اللذان عينهما القائد المُلْهَم. لقد درسا المخطط دون الرجوع إلى أية إحصائيات أو دراسات مائية أو بيئية أو معمارية أو إنشائية أو.. أو.. ومشت الأمور كلها معهما دون عوائق أو مُحبطات أو مثبطات حتى إن الإعلان عنه توافق- بمحض المصادفة- مع ذكرى ميلاد الحزب القائد!
وقف أمينُ فرع الحزب وألقى كلمة. لا أرى داعياً لكي أنقل لكم كلامه، فقد سمعتموه بلا شك عدة مرات، ثم تبعه الأعضاء العاملون ثم الأنصار من المهندسين.. إلخ.
حاولت الحفاظ على الصمت. أقسم أنني حاولت، ولكنني لم أنجح في ذلك حتى النهائية. طلبت الإذن بالكلام، فأشار لي المحافظ بيده الكريمة موافقاً، فقلت:
أنا، أستاذ، لا تعليق لدي على المخطط، ولكني سأروي لك حادثة صغيرة، ممكن؟
قال مرتاباً، فلعله لمح شيئاً خبيثاً أضمره: تفضل.
قلت: في إحدى القرى ذات التضاريس الصعبة.. كان أهالي القرية يخططون شوارع قريتهم بوضع حمار جائع في النقطه الأولى ثم وضع طعامه في النقطة التي يودون إيصال الطريق إليها.. يسير الحمار وهم يسيرون خلفه ويضعون علامات مكان حوافره، ويرصفون الطريق فيما بعد حسب خط السير الحمار وكلما أرادوا فتح طريق كانوا يعيدون العملية. سألهم أحد الفهمانين:
يا جماعة ليش معذبين حالكم ومعذبين الجحش؟ جيبوا مهندس يخطط لكم الشوارع، وفضت يا عرب.
فرد عليه المختار: طالما في عندنا جحيش لشو المهندسين؟!

حسن قنطار: فسحة شعر

حسن قنطار: فسحة شعر

زي بوست:

أرأيتَ إن سكب الصباحُ ضياءَهُ

في صحن ذا الخدّ الشفيفِ فجاءَهُ 


ظلٌّ من الأهدابِ يروي قصةً

للسُّحبِ كيف تعانقتْ وحياءَهُ


أرأيت أنّ الروحَ تسكنُ حالُها

وكذا نزيزُ الثغر يمنع ماءَهُ


والحالُ أنّ القلب يعلو مرةً

فإذا هوى خاط الفناءُ رداءَهُ


أرأيت أني قد ألامُ بوصفهِ

لا والذي وهب الشرودَ ظباءَهُ


وأنا إذا كشفتْ ثنايا درّهِ

عن ثلجِها صرختْ ضلوعي حاءَهُ


أرأيت أنك لو رأيتَ بمقلتي

 ما لمتَ يوماً لو سُقيتُ بلاءَهُ

عبد القادر حمّود: وريث الفراغ


عبد القادر حمّود: وريث الفراغ

زي بوست:


(سيولد لي بعد شهرٍ ولدْ)
بيوم الثلاثاء، أو ربما كان يوم الأحدْ
وقد يتأخَّرْ..
ليومٍ وأكثرْ
ولكن على أي حالٍ ستأتي الولادةْ
ويأتي الوريث ليحضر (حفلة) تتويج والده ملكاً أو أميراً على مدن الريح والكلمات المعادةْ
سيأتي، ويُفسَحُ كلُّ الحضور مكاناً لهُ، ويكون بإمكانه أن يمارس كلَّ طقوس الشقاوةِ و(الشيطنةْ)
فيمكنه أن (ينطَّ) كقردٍ
ويمكنه أن (يخربشَ) كالفأرِ
أو أن (يمطَّ) اللسانْ
ويمكنه أن يطال العمامة والصولجانْ
ويمكنه أن يبول (هنا).. و(هناكَ)، ويختار ما شاء من أمكنةْ
أليسَ هو ابن أزمنة، لم تكن قطُّ كالأزمنةْ؟!!..
أليس هو ابن (شيخ الشيوخ)
و(مسخ المسوخ)
وسيد هذا الفراغ، وسلطان تلك الرمالْ؟!
أليس هو الوعدُ، والوغدُ، والمبتدا، والزوالْ؟!..
سيولد ساعة نحسٍ، ليحضرَ طقسَ انحناءٍ، ويكبرْ
وسوف يشبُّ، وفي ظنّه أنه (الزير)، أو أنه فارس القوم (عنترْ)
وقد لا يعي حجمه المجهريّ، وحجمَ أبيهْ
وأن الإمارة تلك مجرّد تيهٍ يقود الخُطا نحو تيهْ
فقولوا له أن يروووووووح…
يجرجرُ حبلَ مشيمته، السرَّ، يغرب عن جهتي، ويروووووح
فإني سليلُ الطحالبِ منذ قرونْ
أَلِفْتُ الرطوبةَ في ليل أقبيةٍ، قيلَ عنها سجونْ
أَلِفْتُ الزواحفَ فيها، أَلِفْتُ القوارضَ والرخوياتِ فيها
أَلِفْتُ شقوقَ الجدار (المُسخَّمْ)
وإنّي لأعلمْ
بأن الإمارةَ تلك محيطٌ من الملحِ..
أسوارُهُ بِدَعٌ لا شبيه لها (غير ما في جهنَّمْ)
شرابٌ من الوجع، القحطِ، والسرُّ علقمْ
فقولوا له أن يروحْ
فإني ندمتُ كثيراً بلحظة أن قيلَ ثمّة حملٌ مؤكّدْ
ندمتُ لأنَّ الأميرَ الصغيرَ سيأتي، ولا شيء ينتظرُ الطفلَ غيرَ شقاءٍ مؤبَّدْ
فقولوا له أن يروووحْ
وقولوا له إنْ أصرَّ على ما يريدْ
وظلَّ على (سكَّة المرتجى) كقطارْ
عليه انتظاري فعمّا قريب سيُطفئُني طولُ وَهْمٍ، وطولُ انتظارْ
وعمّا قريبٍ سأدخلُ كـ(الفاتحين) كهوفَ الغبارْ
لأُطلقَ صافرتي..
وأفيضَ على الحالمينْ
بوعدٍ جديدٍ، وألفٍ خطابٍ، وألفِ شعارْ