نساؤنا من تحت الدلف إلى تحت المزراب

نساؤنا من تحت الدلف إلى تحت المزراب

محمد إقبال بلّو

عندما التزم ذاك (البلم) بعهده من قبيل الصدفة، وأوصلها إلى البر اليوناني، وبدأت تشق رحلتها شمالاً باتجاه الدول الاسكندنافية أو إحدى دول أوروبا الغربية، اعتقدت المرأة السورية اللاجئة أنها نجت، ولم يخطر ببالها قط أنها انتقلت من تحت الدلف إلى تحت المزراب، فلم يكن الأخير أكثر حنوّاً من سابقه.

ظروف الحرب لم تحبط عزيمتها، فتلك التي عاشت الحروب الاجتماعية منذ نعومة أظفارها لن تتهاوى بسهولة، بل ستستمر في تلقّي الأمواج الضاربة كما اعتادت، تلك الأمواج المتلاطمة المستمرّة التشكّل جرّاء حالة عدم الاستقرار التي حظيت بها على الدوام ضمن دوامة المجتمع وأحكامه وتوصيفاته وقراراته، لكنها أي المرأة بوصفها المخلوق الصبور المتعاطي مع كل حدث بوصفه حدثاً مستقلاً قابلاً للتعايش أو التجاوز أو الحل، اعتقدت أنها ستحصل على لأول مرّة على حالة نسبية من الأمان والشعور بالحماية من كل ما سبق، إثر وصولها إلى دولة أوروبية تكفلت قوانينها بحماية حقوق المرأة وصونها ومنع المساس بها.

هذا الأمل اصطدم بالواقع المرير قبل أن يبلغ سنّ الرشد، إذ عجزت القوانين الأوروبية عن حماية المرأة السورية اللاجئة، لاسيما المتزوجة، فحماية القوانين الأوروبية للمرأة (اللاجئة) غالباً ما تتمثل بالحماية الجسدية فحسب، إذ لن يتمكن من هم على صلة بالمرأة اللاجئة من الإساءة أو التسبب بالأذى الجسدي لها، لكن هذا القانون نفسه، لا يمكنه أن يضبط العواصف المجتمعية التي قد يحدثها أي تغيّر في سلوك تلك المرأة، بمعنى آخر فإن المرأة السورية لم تتمكن وبعد سنوات من الإقامة في أوروبا من الحصول ولو على جزء بسيط من حقوقها وحرياتها، إذ لا بد أن ندرك أن المجتمع الذي كان يضطهدها ويسلب منها الكثير من حقوقها هو نفسه قد انتقل إلى أوروبا معها، والأمثلة كثيرة تكاد لا تحصى.

حادثة تم تداولها على مواقع التواصل عن سيدة سورية كانت في أحد المطارات الألمانيّة برفقة زوجها وأطفالهما، وبينما كانت الأسرة تنتظر وصول أقارب الزوج، وصل إلى المطار شاب وسيم بدا أنه يعرف المرأة، لتنطلق المرأة إليه وتعلن على الملأ تحررها من زوجها، حالة كهذه لا بد أن لها دوافعها وأسبابها، ولن يتمكن أي شخص بعيد عن ظروف العائلة وما عايشته تلك المرأة من معرفة أسباب هذا السلوك، إذ لا بد أنها تعرضت لضغوطات معينة وجدت فرصة مناسبة للهروب منها فاستغلتها.

ورغم أن القانون الألماني يحمي هذه السيدة، ويمنع زوجها أو غيره من القيام بأي سلوك انتقامي منها، إلا ان هذا القانون لا يمكنه منع الآلاف ممن شاهدوا القصة على مواقع التواصل، والمئات الذين أعادوا نشرها “بتصرف” من شتم المرأة وتحقيرها ووصفها بألفاظ منحطة المعنى، هذا الهجوم الشرس الذي تعرضت له المرأة من قبل آلاف الأشخاص ممن لا تعرفهم أصلاً، فيما معظمهم سوريون منهم من يحمل اسماً حقيقياً وآخرون بأسماء مستعارة، يؤكد عجز القانون الأوروبي عن حفظ حقوق المرأة السورية اللاجئة رغم نجاحه في معظم الحالات بالحفاظ عليها جسدياً، وفشله في بعضها حتى ضمن هذا المنحى، وأمامنا قصة الشاب الحلبي الذي قتل زوجته ذبحاً في ألمانيا، متهماً إياها بالخيانة، كما هي أمامنا على مواقع التواصل آلاف التبريرات لجريمته، والثناءات على رجولته.

رغم “اندماج” كثيرات من السيدات السوريات في المجتمعات الأوروبية، وحصولهن على شهادات في لغة البلدان التي وصلن إليها، ورغم أن بعضهن أصبحن على قائمة العمل والأعمال، وأخريات أصبحن في مواقع ثقافية أو فنية متميزة، إلا أن الغالبية العظمى من النساء السوريات في أوروبا، لم تتمكنّ حتى الآن من إتقان اللغة الجديدة، وبالتالي لم تحظين أصلاً بمعرفة جيدة عن القوانين الأوروبية التي تتعلق بحقوق المرأة ومنع اضطهادها، ما يشكل العائق الأكبر أمامهن ويحول دون أي تقدم يذكر، فيقررن المضي قدماً، وبنفس السوية التي اعتدن عليها، وغالباً ما تسمى السيدة التي قد يتاح لها التحرر من القمع لكنها ترضى به مبتعدة عن ألسن الناس (أصيلة بنت أصل)، لكنها تصبح عكس ذلك بمجرد أن فكرت أن تعيش بشكل أفضل وأكثر كرامة.

لا يمكن لأي قانون مهما كان متطوّراً أن يحل معضلة تحرر المرأة السورية، لأن مشكلتها ليست قانونية أصلاً، فالقانون السوري يحتوي على عدد كبير من الفقرات والتفاصيل تؤكد على حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وعدم التمييز بينهما إلا في مجالات نادرة ومحددة، ورغم ذلك لم يكن له الدور الفاعل تطبيقياً، لأن مثل هذه القضايا ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالعرف الاجتماعي والعادات، وغالباً ما كانت تنتصر حتى على القانون ذاته.

مواقع التواصل الاجتماعي لعبت الدور السلبي الكبير في هذه القضية، إذ أن كل تحرك نسائي في الدول الأوروبية يتلقى نفس الهجوم من المجتمع السوري وأحياناً العربي في أوروبا، لكن مواقع التواصل تسهّل نشر هذا الحدث ليصبح عابراً للقارات ويصل عائداً إلى حيث موطن المشكلة في سورية، ليكوّن السلوك النسائي كحالة جماعية، او سلوك امرأة ما منفردة، والمتعلق بإلتمرد على واقع سيء عاشته بكل موروثاته، قضية رأي عام سوري، وغالباً ما تتحول قضية الرأي العام السوري إلى ما يشبه الفضيحة إن تعلّقت بامرأة، بل قد تسهم مواقع التواصل احياناً بتضخيم الحدث وزيادة الكثير من التفاصيل غير الحقيقية إليه، لاسيما إن صنعته امرأة.

محاولات المرأة السورية اللاجئة الساعية إلى التحرر من قبضة الرجل والمجتمع بوصفه حليف الرجل، أثبتت أن المشكلة لا يمكن تقييمها والتحدث عنها بوصفها وليدة دول اللجوء، بل يجب العودة إلى مهدها الأول، حيث تشكلت في مختلف المناطق السورية عبر الزمن، وكانت خليطاً من العادات التي ألبست الرداء الديني في بعض الحالات، لتصبح قوانين لا يمكن تجاوزها، وبالتالي ندرك أن حل هذه المسألة ليس بقريب، ويحتاج جهوداً كبيرة وفرق عمل وتوعية مستفيضة، سواء فيما يتعلق بالسوريين في أوروبا أو في أماكن أخرى من العالم أو داخل حدود البلاد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s