قصة قصيرة: فاطمة.. للأديب عبد الغني حمادة

قصة قصيرة: فاطمة.. للأديب عبد الغني حمادة

بدا الطريق سهلا ، يسيرا لدرجة أننا لم نتعرض لأي إشكال قد يؤخر وصولنا لقريتنا الواقعة في مناطق التوتر ، وقد لا يخلو يوم من قصف أو اشتباك على أطرافها الشرقية والجنوبية …
كان السائق مرحا يحكي لنا عن بطولاته كيف نجا عشرات المرات من الموت ، مرة من الطائرة ، ومرة من صاروخ موجه ، وأخرى من مفخخة .
قبل أن أنزل من حافلته المموهة بالطين ، قال ضاحكا :
– الموت أمر حتمي ، لا هروب منه ولا مفر ، لقد تعودنا على التعايش معه .
هززت رأسي ، واتشح وجهي بابتسامة شاحبة .
– يا إلهي ، كم كان الدمار والخراب كبيرا !!..
لقد تغير كل شيء في تلك السنين التي ابتعدت فيها عن مدينتي …
ضايقتني الحقيبة المعلقة على كتفي ، والسير أكثر من كيلومتر تحت الشمس وبين الغبار أمر متعب لرجل يدب حثيثا في أروقة خريف العمر .
ومع كل الإرهاق والتعب ، كان الإحساس جميلا ، إحساسا لا يوصف بالعودة إلى الوطن ، إلى القرية التي ولدت فيها ، تعلمت في مدارسها ، وعشت قصص المراهقة في منحنياتها وزواريبها البعيدة عن العيون ، و في زواياها المعتمة مارست طفولتي الشقية ، كان وصولي مع غروب شمس النهار البرتقالية …
أشجار التين مشنشلة بثمارها الذهبية ، يسيل العسل من ثغورها ، و عناقيد العنب الصفراء والبيضاء والحمراء ، تارة تظهر فتنتها ، وتارة تختبئ خلف أوراق الدوالي .هذا الدرب تحفظه قدماي غيبا ، أستطيع عبوره دون عراقيل أو منغصات حتى لو وضعوا لي عصابة على عيني !!..
على جانبه الأيمن ، خلف تلك الصخرة الملساء التي تشبه امرأة مستلقية ، خلفها وجدت رسالة معطرة من فاطمة لحبيبها المجهول ، فاحتفظت بها لعدة أسابيع ، ريثما رأيتها ولوحت لها بها .
حينذاك عضت على شفتها :
– أرجوك ، ردها لي ، الله يخليك .
– سأعطيك إياها بشرط ، وغمزت لها بعيني .
امتلأت عيناها الرماديتان بالدموع ، وتلعثمت بالحروف .
– حرام عليك ، يذبحني أخي إن عرف .
تمنيت أن تشق الأرض وتبتلعني في تلك اللحظة .
– لا أريد منك إلا شيئا واحدا .
اقتربت حتى كاد وجهها يلامس وجهي ، وارتجفت شفتاها ، وتسابقت الدموع طافرة ، متدحرجة على خديها الجلنارين .
– خذ ما تريد .
– أريد ، فقط ، أن أعرف لمن أرسلت هذه الرسالة .
– هذا ما تريده فقط ؟!!.. ولماذا تريد أن تعرفه ؟!!..
– لا لشيء ..
أعطيتها الرسالة .
– لن أنسى لك هذا المعروف ما حييت …
غاب وجه فاطمة ، واختفيت ، أنا ، في شقاوات اليفاعة ، وتوطدت علاقة نقية بريئة بيننا منذ تلك الحادثة .
مع أن بعض معالم الدرب المتعرج قد تغيرت ، فأنشئت كومات من الأتربة والحجارة كسواتر تخفي ماخلفها من رشاشات ودبابات ، دمر بعضها القصف ، وبقيت حفر ملوثة بالزيوت والشحوم والمازوت …
مع وصولي إلى أول بيوت القرية المتطرفة ، بدأت أحس برائحة الحياة … المناظر التي مررت بها تدمي القلب ، فأينما تلفت كنت أرى الخراب والدمار ، وأشباح الأموات تتراقص في كل ركن مقصوف ، وعلى كل سطح متهاو .
كانت بيوت القرية شبه خاوية من الناس ، اقتربت أكثر إلى ساحة القرية الرئيسة التي كانت تعج فيما مضى بكل أنواع متطلبات الحياة ، خضرة و فواكه ، والحلويات والموالح ، والأحذية ، و بسطات الألبسة ، وتمتلئ بالأطفال والألعاب ، والرجال الذين ينتظرون صوت المؤذن لأداء الصلاة .
فجأة ، التمعت البيوت بأضواء الإنارة …
– اشتغلت الأمبيرات …
ست سنين ليست قليلة من عمر الإنسان ، ست سنين من الغياب عن القرية أمر يبعث الأشواق من مكامنها ، يشعل براكينها ، ويجعل للحنين مخالب وأنيابا تنهش القلب فتدميه ، وتنزف الذاكرة بكل ما لديها من مشاعر جياشة وعواطف رهيفة تكاد تكون منسية في تلك الزحمة من الجنون .
– إلى أين سأذهب ، وعند من سأبيت تلك الليلة ؟!!.
بيتنا أضحى ركاما ، ولم يبق منه إلا رائحة البارود ، وبقايا أوراق ممزقة من كتبي ، وبعض من شظايا الزجاج المتناثرة في باحة الدار .
– ستنام عندنا يا أخي ..
يااااه ، كم كان صوتها حنونا !!..
إنها أختي الصغرى التي لم تغادر بيتها إلا مرتين فقط .
مرة إلى مخيم على الحدود التركية ، ومرة إلى مدينة أقارب زوجها . لم تصمد في الغربة أكثر من شهر .
– نحن مثل السمك إن خرج من الماء يموت ، ونحن نموت إن غادرنا قريتنا .كنت متعبا جدا من السفر ، وهذا ما جعل إحساسي بالليل ومواجعه معدوما تقريبا …أذناي لم تخطئان صوتها ، و لم تنس نبرته الدافئة .
– لو لا العيب لقبلتك !!..
يا إلهي ، إنها فاطمة بكل شحمها ولحمها ولهفة قلبها .
– لا تجلس هنا ، القناص يرصد هذه الزاوية ، تحرك أرجوك …
لم كل هذا العذاب يا رب ؟!!..
وقعت جثة هامدة ، أرادت أن تحميني من القناص ، فأرداها قتيلة أمام عيني ..
ليتني لم أحضر ، ليتني بقيت هناك خلف الحدود …
فاطمة برت بوعدها ، لم تنس معروفا أسديته لها يوم حافظت على سرها !!..
حملت حقيبتي وأقفلت راجعا ، فأنا أحب الحياة ما استطعت إليها سبيلا !!…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s