شحنة ثقافة ممنوعة

جهاد الدين رمضان

شحنة ثقافة ممنوعة
جهاد الدين رمضان
مثل الكثيرين من أبناء جيلي في نهاية السبعينات من القرن العشرين، كان صديقي “فهد” يفتقد الثقافة الجنسية النظرية والعملية في زمن الشحّ والكبت، وخصوصاً عندما يبلغ الصبي الصغير سن الحلم، ويحلم ويحتلم بالنساء الشهيات، بعد أن يكتشف بأن العضو المسخر للبول له وظيفة أخرى فيها متعة ولذة يا للهول، لذة تأتيه في المنام على شكل أحلام، أو يستدعيها بيده في أحلام اليقظة وعالم الأوهام، وتصبح العادة السرية مكشوفة وإن مُورست في الظلام.
وفي ظل ندرة المصادر والمراجع التثقيفية – في المدرسة لا يوجد سوى درس واحد عن أحكام الطهارة من الجنابة في كتاب التربية الإسلامية للصف الثاني الإعدادي – لإشباع غريزة الجنس، لا يترك المراهق أي سبيل يوصله إلى العلم إلا وسلكه، من الكتب العتيقة كتحفة العروس أو الزواج الإسلامي السعيد ، وطوق الحمامة في الإلفة والايلاف ، ورجوع الشيخ إلى صباه، إلى صفحات وقصاصات مجلات “الصياد والشبكة والموعد” المثيرة *، فإذا ما صحّ له مشاهدة فيلم سينمائي فيه لقطات تؤهله للمرور عبر جهاز الرقابة تحت بند (ممنوع دخول الأحداث) لابدّ أن يكون يوم سعده لا محال، فكيف وهذه الحال إذا ما صحّ له مشاهدة فيلم كامل يشرح عملية التناسل على أصولها وبالألوان؟.
ما جرى مع صديقي فهد جعلني أصدق بأن تلك الثقافة الممنوعة، تستحق أن يبذل المرء في سبيلها الغالي والنفيس، وقد يكلّف حضور أفلام التوعية الجنسية عطباً في الساق أو ضرباً بالعصا، ففي آخر أيام العيد الصغير (عيد الفطر السعيد) تعرض فهد لإلتواءٍ حادٍ في الساق أقعده في الفراش بدون علمي ، أخبرني بذلك صديقي “فيض الله” وطلب مني زيارة صديقنا المشترك فهد في بيته المجاور لبيتنا في حي السكري الفقير جنوبي حلب ، وقال لي : أنا زرته مساء البارحة ولا داعي أن أزوره مرةً ثانية برفقتك، أنت بيتك قريب من بيته وبإمكانك أن تزوره في أي وقت.
كانت السينما المحمولة في تلك الأيام متوفرة للتأجير بحلب ، يستأجرها أحد البالغين في الأعياد لعرض أفلام شارلي شابلن للأولاد، لا أعرف من أين وكيف؟ لكن أعرف عروض أفلام شارلي شابلن الصامتة وبدون ألوان، ولم أكن أعلم بأن تلك السينما يمكن أن تعرض أفلاماً للكبار بصوت الآهات والألوان، أخبرني بهذه المعلومة الجديدة صديقي فهد عندما زرته بعد ساعات، فقد استغربت إصابته في الساق بسبب سقوطه عن الدراجة الهوائية (البسكليت) كما زعم، فهو شيخ السائقين ومعلم تجارة وتصليح البسكليتات المشهورين في الحارة ، اقتربت من أذنه حين انصرفت أمه إلى المطبخ لإعداد الضيافة، وقلت له بصوت خافت :
– بالله عليك أن تصدقني القول، هل هذا الإلتواء في الساق سببه سقوطك عن البسكليت، أم أن في الحكاية كيت وكيت؟
ضحك فهد رغم ما يسببه له الضحك من آلام، تأوّه بعدها قليلاً وقال :
– والله يا صديقي “جهاد” انت ما يخفى عنك سرّ، قصة وقوعي عن البسكليت فيها لفّ والتواء على الحقيقة، وفي الواقع إصابتي سببها القفز من ظهر شاحنة تعود لرجل قريبي يسكن قرب مدرسة “الثورة” الابتدائية ربما لا تعرفه انت ، كان ابنه الكبير “محمود” قد استأجر آلة عرض أفلام تهريج للأولاد في عطلة العيد، وحصل من مصدر سري على أفلام جادّة ليست للأولاد، يُنصح بمشاهدتها من قبل المراهقين البالغين وما فوق ، وقال لي أن مكان عرض تلك الأفلام الخصوصية سيكون في موقع أمين، وطلب مني دعوة ما أستطيع من أولاد الحارة اليافعين وصولاً لبعض الشباب البالغين، وسيكون الأجر ليرة واحدة للشخص الواحد، أما أنا سيكون حضوري مجانياً عوضاً عن أجرى في الدعاية والإعلان للعرض. فكرت بعرض قريبي محمود وأنا أحمده لكرمه، وفاضت مشاعري تشوقاً لحضور العرض، قلت له بعد قليل : من ناحية العرض ودعوتك الكريمة، لا أمانع في قبول ذلك، لكن إذا كنت تلمح إلى استضافتي للعرض في غياب أمي لأنني يتيم الأب واسكن لوحدي معها دون اخوتي المتزوجين، فإني لا أعرض سمعتي للخطر ولا أدنّس عِرضي بعَرضِك المرفوض ، وأخشى أن يعمّ خبري في الحارة وأصير عبرةً لمن اعتبر.
قاطعت فهد وسألته : وما دخل الشاحنة في إصابتك والعرض المغري؟
تنحنح فهد ونظر بحذر باتجاه باب غرفة الجلوس، وتابع بصوت خافت حذر : جاييك بالشرح والتوضيح ي..
هنا دخلت أمه “أم علي” الغرفة وقاطعت حديثنا بقطع الحلوى وكعك العيد، وجاءتنا بالكرابيج والمعمول والناطف وهلمّ جرّا ، وقد أضحى قلبي أكثر لهفةً لمعرفة بقية الحديث وماذا جرى؟
أكلنا ما باستطاعتنا وشكرنا أم علي، لعلها ترفع طبق ضيافة العيد وتتركنا لوحدنا من جديد، لم تتزحزح أم علي من مكانها رغم قولي : دايمة، وكل عام وانتم بخير وبالشفاء العاجل لفهد، وأصرّت على تناول المزيد من محتويات الأطباق والصحون وكأنها تقول لنا ها هنا قاعدون ، قعد فهد بفراشه وأسعف خلوتنا بطلب ابريق شاي “اكرك عجم” بالمسك، نهضت أم علي وتوجهت للمطبخ لغلي الشاي، كان قلبي يغلي على نار الفضول لمعرفة باقي القصة المجهول، وحالما أغلقت ورائها الباب قلت لصديقي فهد هات اسمعني الجواب.
قال فهد : هادا يا سيدي أمر عجيب، فقد حضّر لنا محمود مكاناً لمشاهدة الفيلم الحامي على ظهر شاحنة أبيه المركونة جانب سور المدرسة مقابل باب بيته ، ومدَّ شريط كهرباء طويل من البيت إلى ماكينة العرض في صندوق الحمولة الغميق المغطى بشادر سميك، وقال لنا هيا اصعدوا إلى داخل الصندوق المحكم الغطاء من كل أطرافه والسقف، كأنه من الداخل صالة سينما حلب ولا عجب ، صعدنا الصالة – ظهر الشاحنة – الفاخرة الخالية من المقاعد واحداً تلو الآخر على السكت ، وأغلق علينا باب صندوق الشاحنة الخلفي وأسدل عليه الستار، ايذاناً بفتح ستارة الشاشة في السينما الحقيقية، وبدأ عرض شريحة الفيلم مباشرة بدون دعايات ومناظر تشويق عن العرض القادم أو قريباً جداً، وما إن بدأت تسخن المناظر وتبرد القلوب، حتى فوجئنا برأس رجل أطلَّ من خلف الستار، بحلق في وجوهنا رغم الظلام ووضوح الصورة على الشاشة في صدر صندوق العجائب، وبهدلنا وشتمنا نحن الحضور وابنه محمود زعيم الفسق والفجور، وقال لنا بالحرف الواحد :
– لك يا عرصات هي السيارة زارت الحج وبكرا راجعة للحجاز، كيف تعملون منها ماخور فسق وضلال؟ هيا انزلوا منها في الحال قبل أن أمسك بكم يا أنذال.
قال فهد : عندما سمعت صوت قريبي خشيت أن يكشف هويتي، فرفعت الشادر وتسلقت أعلى سياج الصندوق كالقرد، وقفزت على الأرض من الناحية المخالفة لعمي أبي محمود، وقلت يا ساتر استر عليّ .
حالما استقبلني رصيف المدرسة، شعرت بساقي قد كُسرت ببساطة كعود المكنسة ، تحاملت على نفسي وتابعت المسير العسير بسبب الآلام، واختفيت عن أنظار أبي محمود قبل الجميع، وصرت في مأمن من غضبه وانكشاف فضيحتي للعلن، والحمد لله عندما دخلت البيت كانت أمي نائمة، لكنها استيقظت على أصوات أوجاعي، وسألتني ما بك تصرخ وتتوجع يا قلبي؟ قلت لها لقد سقطت عن البسكليت في حادث بسيط، لكن الألم عظيم وشديد.
عند هذه الجملة بالضبط، دخلت علينا أم علي بصينية الشاي العجمي، وسمعت آخر جملة من فم ابنها فهد، وقالت لنا : اي والله صحيح، وجع الفِكّ (التواء المفاصل) اشدّ ايلاماً من الكسر، بس الحمد لله ما في كسر بالعظم وكلها أيام وتُشفى الساق ويعود فهد إلى الزقاق.
قبل أن أودع فهد وأعود إلى الزقاق، سألته في غياب أمه :
– وكيف هو وجعك الآن؟
– الحمد لله اليوم أخف من قبل، لكن أوجاع حرماني من حضور العرض بعد هروبي من الشاحنة أشد ايلاماً من وجع ساقي المعطوبة.
– ليش الشباب اكملوا المهمة وشاهدوا الفيلم؟
– نعم، فقد زارني قريبي محمود وأعلمني بأن الشباب كادوا يضربوه فوق الضرب الذي ناله على أيدي أبيه في موقعة الشاحنة، فوافقهم على عرضه في مكان آخر في ذات الليلة، وحمل العدة والسيبا وعلب الأفلام وكبل الكهرباء وذهب معهم من ورشة إلى مستودع، ومن سقيفة إلى غرفة لكشّ الحمام على السطح، وأخيراً وجدوا ورشة نجارة مناسبة للعرض، شغلوا المكنة وحضروا العرض بهناء وسرور .
– وما عوّضكَ محمود بشيء عن إصابتك؟
– بلى، لقد وعدني بتزويدي “بكتالوج” جديد.
– كتالوج عن البسكليتات؟ أم عن قطع تبديلها؟
– لك لاء يا غشيم، الكتالوج يعني مجلة تحتوي على صور النساء الفاتنات يشرحن عملية التناسل بالصور والألوان وكل الأوضاع .
– ايه هيك تنسى وجعك وتتثقف في نفس الوقت، الله يشفيك ويقويك.
و كم من فهد في مجتمعاتنا المغلقة المحفوفة بأسلاك الحلال والحرام، والعيب والحياء والكبت الشائكة، وكم من إصابة وكم خطأ عانينا في سبيل القفز وعبور تلك الأسوار العالية المتوجة بالزجاج الجارح وشفرات السكاكين الحادة، ولماذا ننكر تعليم وتنوير أولادنا وظائف الجسم ومفهوم الجنس في الصف، لنتركه يتعلم بطرق خطرة في الشارع خارج الدرس؟ كم من فتى فاجأه الاحتلام في المنام، وكم فتاة فاجأها الحيض، دون أن يعلم لماذا وما هذا يا رب؟
جهاد الدين رمضان
…………………….
* الكتب والمجلات المذكورة، يضاف إليها مجلة طبيبك باب أمراض الجنس، كانت المنفذ الوحيد المسموح (في متناول اليد ولو بصعوبة أحياناً) لأبناء جيلي لنشر الثقافة الجنسية أو بعض المشاهد والصور المثيرة، هذا عدا الأفلام والمجلات (الكتالوجات) الإباحية الممنوعة بالطبع.
المصدر: صحيفة المثقف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s