محمد فتحي المقداد: التحدي

محمد فتحي المقداد: التحدي

زي بوست:

صدى قصائده يُجلجِلُ في مُخيّلتي. استغراقٌ عميقٌ يَستَجِرُّني عُنوة إلى منصّة تُبعِدُني عمّا حوْلي؛ فتتوارد الأفكار، كما تتدافع السَوَامُّ عند المغيب تِباعًا إلى غدير الماء. 

استطاع (أحمد شطناوي) إقناعي بشاعريّته، رغم بيانه واستفاضته شرحًا؛ لكنّه استعصى عليه إقناعي بالجهات عند دُوّار جامعة اليرموك في إربد.

– “في الحقيقة يا صديقي فقدتُ بُوصلتي، اختلطت الجهاتُ عليّ؛ دُوَارٌ استحوذني؛ فالشمال غرب، والعكس صحيح”.

قهقه ملء مكتبه، وأنا أعاينُ ملامح استغرابه. تفاءل مدهوشًا، وقال:

“هل تستطيع كتابة رواية في ذلك؟”.

اهتزاز رأسي علامة الإيجاب. عيناه مغروستان في وجهي، بانتظار ردّي:

“بكلّ تأكيد سأكتبُ، وهل تعتقد أنّ الرواية ستكتمل؟، مؤكّد أنّني سأفقِدُ توازني، إذا لم  أعثُر على بوصلتي من جديد”.

أحمد ضاحكًا بعد لقاء لاحق. ويده تمتدّ لاستلام نسخته من الرواية، بلا توقيع منّي. 

كتاب (بتوقيت بُصرى) الروائي محمد فتحي المقداد 

رد الشاعر أحمد شطناوي على الأقصوصة:

لم يكن أول من قال لي أني أضعت الجهات عندما أدخل إلى مكتبك، ولكنها المرة الأولى التي أحس فيها أن الجهات استوت عند شخص ما، كلما أشاح بوجهه إلى جهة كانت هي الغرب، عندها فقط أحسست فيها أنني أتقن لغة الإشارة، أدرت الكرسي باتجاه الجنوب واخذت يداي بالحديث، ولكن دون جدوى، حتى الإشارة لم تعد تقنعه، كان مشتت الصمت والابتسامة.

أن تكون أصلعا هذا يعني أن لا غبار على تعرفك البديهي على الجهات، ربما، ولكن أن يكون لك شعر طويل تلعب به الريح يمينا وشمالا، فهذا يعني أنك قد تعرض لحالات من التشتت الشَّعري، فحين تطير خصلة إلى اليمين عندها تعتقد أنها ذهبت إلى الغرب والعكس إذا ذهبت إلى اليسار فإن إحساسك بالشرق يكون عاليا جدا، هذا إن كنت ذاهبا على الصلاة، وبذلك فإنه من الطبيعي أن تفقد متعة التعرف على الجهات في الأماكن المغلقة.

ضحكنا وضحكت الجهات الأربعة، وضحك فنجان القهوة الذي ما زال ينتظره منذ صلاة الظهر ولم يعد ليشربه، كانت ضحكات طازجة، ضحكات توزعت على عقارب الانتظار، الانتظار الذي يفقدك لذة اللقاء، اللقاء الذي لم يعد يحسب معنىً لدوران عقرب الساعة، ولكن ما دام قلبك يعمل على توجيهك نحو من تحب فإن فقدان إحساسك بالجهات والوقت أمر هين.

نمضي ويمضي النسيان معنا يحفر بمعوله صخر الذاكرة ليفتت بعض ما علق على تضاريسه من لحظات جميلة، تذهب أدراج الماضي وسرعان ما تتشكل مرة أخرى عند أول لقاء آخر، كأننا نقول للحظة قفي هنا وانتظري شرارة أو عود ثقاب بائس فقد نصف رأسه واحتك بعلبته البالية ليشتعل نصف اشتعال ثم يقاوم الريح ليتقد فتيل اللحظة.

فإن كانت الرواية لا تحمل توقيعا فاعلم أنها ثورة على المعقول وكسر للمستحيل ومفاجأة في زمن أصبح يوسوس بالحكمة لرجل أتقن فن الصمود والصعود في آنٍ معا.

ورغم كل ما يشي بالضجيج واللهفة إلا أني ساقترف الصمت والانتظار إلى حين أن يملَّ الانتظار من وجودي.

شكرًا لك صديقي أبا هاشم لتذكُّر تلك اللحظة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s