المسافة الفنية بين الشخصية الحكائية المتخيلة والشخصية الحقيقية.. قراءة لقصة: “إدمان” للكاتب محمد فتحي المقداد/ سورية/

المسافة الفنية بين الشخصية الحكائية المتخيلة والشخصية الحقيقية..
قراءة لقصة: “إدمان” للكاتب محمد فتحي المقداد/ سورية/


زي بوست:


بقلم الناقد – بو عزة الفرحان

نص القصة (إدمان)
(في الصف أوقفه المعلّم.. يداه للأعلى ووجهه للحائط،أصبح يتوقف طويلاً في الطابور، على باب الفرن والمؤسسة، يوم أومأ إليه الشرطي بالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ ووجهه للحائط..
كُبّلَتْ يداه خلف ظهره.
اصطدم مرّةً بلوحة تشير للتوقف الإجباري – أمامك حاجز للتفتيش- .
توقفت عقارب ساعته.. أدمن التوقّف).

1 ــــــ عتبة النص /إدمان
فما معنى كلمة “إدمان” لغة واصطلاحا
إدمان/ نقول: أدمنَ الشَّيءَ، وأدمنَ على الشَّيء: أدامَ فِعْله ولازَمَه ولم يُقْلِع عنه، داوم عليه وواظب. وبالتالي فإن إدمان الشيء كالمخدرات وغيرها، هو الإدامة عليه وعدم الإقلاع عنه، أما الإدمان اصطلاحا، هو تكرار عمل فعل معين نتيجة اضطراب في السلوك، ويقوم الفرد بعمل وتكراره. وفي مجال الطب، يعرف الإدمان بسوء استعمال المواد الكيمائيّة ممّا يؤدِّي إلى التعوّد والإدمان، كما يصبح الجسمُ عاجزا عن الاستغناء عنها.
تفكيك الخطاب وتحليله:
ا ـــ / في الصف أوقفه المعلّم.. يداه للأعلى ووجهه للحائط،/ نتأمل الجملة السردية التالية كبداية للقصة/ في الصف أوقفه المعلم/. عمل السارد على تقديم شخصية “المعلم” كفاعل وعامل في بناء حدث “الوقوف” المرتبط بالتلميذ، كحياة قائمة داخل مكان معين وهو”الصف”. حياة تتجلى في التفاعل بين معلم ومتعلم، ضمن منظومة العملية التعليمية /التعلمية. فشخصية المعلم ليست مقنعة ولا مغيبة، وهي محاولة لإقناع القارئ أنها ليست متخيلة. فالكاتب صرح بها كشخصية ذات نفوذ، لها سلطة تربوية وتعليمية على التلميذ…!
استغنى الكاتب عن تقديم المظهر الخارجي للمعلم، ولكنه قدمه للقارئ من الجانب التكوين النفسي: السلوك والتصرف والتحرك… كمساهم في تشكيل رجل الغد فكريا وثقافيا وتربويا، وفاعل في تعديل السلوك الذي يراه مخالفا لرؤيته التربوية. فالمتلقي يتخيل شخصية المعلم كقوة فاعلة في خلق حالةغير مألوفة داخل الفصل الدراسي،على خلفية وجود علاقة تربوية بين المعلم والمتعلم، مما يثير انتباهه، ويسارع للتعجب والاستغراب والاندهاش…
انطلق السارد من حدث تجلى في جعل التلميذ/المتعلم يمتثل لأمر “الوقوف”. فبعدما أخبرنا السارد بالحدث، ترك بياضا(..) أشار إليه بنقطتين(..) يدل على كلام مسكوت عليه، ليجر القارئ إلى جدلية التأويل، بأسئلة متعلقة بفعل “أوقفه”. أسئلة تكون أجوبتها هدفا لملء الفجوة التي تركها الكاتب عمدا، من قبيل: ما هو السبب؟
ب ـــ / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/جملة سردية متممة للحالة الأولى،/ فحالة الوقوف التي تمت في الزمن الماضي غير محددة. فجملة /أوقفه/ تشكل وحدة عضوية مع الجملة التالية: / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/. حالة تبدو مثيرة للجدل، ومقدمة لرفع وتيرة قوة التأثير، تجسدت كصورة لافتة للنظر، شكلها الكاتب بلغة قريبة من القارئ. صورة تختزن في بنيتها دلالات غائبة، يعمل القارئ على تفتيتها بالكشف عن ما تخبئه من جزئيات منفلتة ومعاني بعيدة / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/. وهو ما أكسب الجملة طاقة إبلاغية واضحة للقارئ، ليحدد موقفه بالرفض أو القبول.. صورة تبدو ثابتة، ولكنها تنبض بحياة صامتة. صورة غريبة وصادمة، تفجر عدة أسئلة منها: لماذا أوقف المعلم التلميذ؟ ما هي الأسباب؟ أهو يريد عقابه؟ وما هي طريقة العقاب التي اختارها المعلم؟ أهي فعالة أم خاطئة؟ وما نجاعتها في التقويم التربوي؟…
اختار السارد مكان الفصل لتشخيص الحدث، وهو مكان ضيق ومغلق، ولكنه مكان يستوعب حركة الحدث وتجسيده، حدث قد يتكرر أمام التلاميذ على فترات زمنية متقطعة. فحركة العقاب كانت تسري على كل التلاميذ، ولكن السارد اختار حدثا من حوادث كثيرة، كانت تقع في الفصل، كصورة، أو لقطة، أو لحظة مؤثرة، قدمها للقارئ كمحفز ليتخيل ملامح التلميذ الغائبة عنه، ويتعاطف مع حالته النفسية. كأن التلميذ حاضر أمامه، يشاهده عن قرب، ينتظر، ويترقب كيف يكون موقف التلميذ، وهو يجسد مقطعا من مسرحية قصيرة، فيتسائل القارئ بعفوية عن مدى تأثير الفعل على التلميذ في المستقبل.
فما دامت القصة القصيرة جدا تعتمد على الإيجاز والتلميح، والتصوير لحياة واقعية أو متخيلة، دون اللجوء إلى الجزئيات والتفاصيل، فقد اختزل السارد صورة مقتطعة من الواقع التعليمي /التربوي في بضع كلمات، كحدث قد يجرى في الواقع أو في المتخيل.
فالتصور التقليدي للشخصية، كان يعتمد على رسم الملامح العامة والصفات المكونة لها، والكثير يخلط بين الشخصية الحكائية، والشخصية في الواقع العياني. مما دفع بالناقد الفرنسي ( ميشال زرافا ) إلى التمييز بين الاثنين، فجعل الشخصية الحكائية مجرد علامة فقط على الشخصية الحقيقة”(1)
فمن خلال هذا القول، يتبين أن شخصية المعلم في القصة، ما هي إلا علامة تنوب عن شخصية المعلم الحقيقية. فالكاتب استغنى عن الملامح الجسدية، والصفات الخارجية التي يتميز بها هذا المعلم كما قلت سابقا. ولكن القارئ يتصور شخصيته من خلال سلوكه وتصرفاته، ليتخيل نمط الشخصية التي صنعها الكاتب. يقول الدكتور أحمد العزي صغير “فالقارئ نفسه يستطيع أن يتدخل برصيده الثقافي وتصوراته القبلية ليقدم صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية.”
يقول الكاتب عبد الرزاق اسطيطو “فالقارئ المتلقي الماهر بتعبير تودوروف، يستطيع برصيده المعرفي، وبتصوراته ورؤاه أن يقدم لنا صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية. وهذا ما لخصه بدقة، وعبر عنه فليب هامون بقوله، بأن الشخصية في الحكي هي تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر مما هي تركيب يقوم به النص”. ( 2)
فشخصية المعلم ليست محددة، والتلميذ الذي شخص الحركة غير محدد، فالقارئ يتخيل شخصيتهما من خلال حركة الأمر والامتثال، ليكتشف بنفسه التضاد الموجود في الحدث، والذي يكمن في السلطة والطاعة. فحدث”الوقوف” بهذه الطريقة جرى في الفصل، فلم يعد الحدث حبيسا بين جدران الفصل، بل امتد وترسخ كعادة يمارسها التلميذ في حياته، عادة أصبحت كجزء من مكونات شخصيته، يمارسها التلميذ/ الرجل في فضاءات مفتوحة.
ونعود لتعريف “الإدمان ” الذي ذكرناه سابقا، فالتلميذ أدمنَ على عادة الوقوف/ و/ رفع اليدين إلى الأعلى،/ والوجه إلى الحائط./ بالطريقة التي خلقها المعلم عن طريق التكرار، والتعزيز طيلة زمن الدراسة عند المعلم. فقد لازمته تلك العادة في كل مناحي الحياة، يداوم عليها، ويواظب على ممارستها دون وعي، فمن الصعوبة يتمكن من الإقلاع عنها.
امتلك الحدث شخصية التلميذ، فقام بالفعل دون مقاومة، ودون اعتراض، مما ساهم في تطور الحدث عبر الزمن وعبر أماكن مختلفة. فرغم غياب المعلم، فإن سلطته ما زالت سارية على التلميذ في فضاءات اجتماعية متعددة. يقول السارد:
ج ـــــ /أصبح يتوقف طويلا في الطابور، على باب الفرن والمؤسسة،/ ذكر الكاتب ثلاث محطات: / الطابور، / الفرن/ المؤسسة/. ويمكن أن تمارس عادة الوقوف في مواقف عديدة، فهذه العادة أصبحت مكتسبة وليست فطرية. فالسارد اجتنب الكثير من الشروح والتفسيرات لإخبار القارئ عن سبب ذلك؟ لكنه لمح للمؤثرات السلبية لعادة التوقف من خلال أشياء /الطابور/الفرن/المؤسسة/ التي أصبحت بدورها تنبض بالحياة، كما أنها لعبت دورا مهما، كصور مؤثثة لفضاءات مفتوحة من أجل تطور الحدث وتنميته. مما يفسح المجال للقارئ أن يتخيل ويتصور، ويدخل في دوامة الاشتباك مع شخصية المعلم، كاللوم والعتاب، ونقد طريقته التربوية في العقاب والجزاء. والتعاطف والدفاع عن التلميذ البريء. كل ذلك القلق، سوف يوقظ انفعالا وتوترا وتساؤلا في نفسية القارئ، فيحدد موقفه إما بالقبول أو الرفض. كيف أصبح هذا التلميذ مبرمجا؟ هل يمكن تعديل هذه العادة؟ هل يحتاج هذا التلميذ إلى إعادة تأهيله وتوجيه سلوكه؟ هل يحتاج إلى المساعدة النفسية؟ هل يحتاج إلى معالج؟ ما هي الخطوات الناجعة التي يجب إتباعها؟
د ـــ/ يوما أومأ إليه الشرطي بالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ ووجهه للحائط../نتأمل الجملة السردية التالية
كُبّلَتْ يداه خلف ظهره./ لا نعرف سبب توقيف الشرطي لشخصية التلميذ، وربما أصبح رجلا، فزمن اعتقاله غير محدد. وإنما هو زمن ضمني متخيل، فاصل بين مرحلة الدراسة ومرحلة بعيدة عنها. ولتعزيز ما حكاه السارد، يتبين للقارئ أنها عادة موروثة من القديم، وطريقة العقاب قد تتشابه، وقد تكون مشتركة بين كل الشعوب، خاصة عند مطاردة المجرمين من طرف الشرطة. حادثة توقيف الشرطي للبطل كشخصية متطورة ومتحركة، قد تبدو منفصلة عما سبقها من تكريس العادة في نفسية البطل، لكنها مرتبطة بما رسخه المعلم من عادة الوقوف، مع إضافات مؤثثة للمشهد/ الشرطي بدل المعلم/ الوقوف على رجل واحدة/ وضع القيد في يديه/. هناك تكامل بين ما تعلمه التلميذ في صغره، وما يطبقه في كبره، فرضية تعزز امتداد نوعية العقاب عبر الزمن، وعبر امتداد عمر الإنسان. والاختلاف بين الأمس واليوم، يتجلى في قيمة خطورة البطل. فالجريمة متنوعة، تقاس بخطورة الجرم، لكنها تختلف بين ما هو تربوي وما هو قضائي.
***
فالبطل لم يقاوم، ولم يهرب، ولم يدافع عن نفسه، بل انقاد واستسلم، لأنه متعود على الوقوف منذ صغره مهما اختلفت الوضعيات وتعددت. والسؤال: ما هو الارتباط القائم بين تصرف المعلم وتصرف الشرطي؟ فالسارد يريد أن يقول للقارئ شيئا، لكنه لم يصرح به، ولكنه لمح إلي عملية خطيرة تتم في الغياب، وتتجلى في عملية تطويع أفراد الشعب على الامتثال والطاعة والخنوع منذ الصغر، ليكون الشعب مستسلما ولا يبدي أي مقاومة، عملية تسهل قمع كل الاحتجاجات والمظاهرات، وعدم المطالبة بالتغيير، وعدم نشوء معارضة خفية …. فالسارد يشير ضمنيا على القمع الممارس على الشعوب الضعيفة، ورغم أن حالة توقيف الشرطي للبطل فيها نوع من السخرية اللاذعة، فإنها مأخوذة من الواقع، كمشهد أصبح معتادا في نظر أفراد الشعب. فقد يتساءل القارئ عن مصدر هذا الإذلال المقصود؟ وما هو غايته؟ وما هو المشترك بين التربية التعليمية /التعلمية في المدارس، والتربية المدنية الاجتماعية التي تقوم على التعسف، والتنقيص من شخصية المتعلم والمواطن؟ إن مثل هذا السلوك يكرس ديكتاتورية مقنعة بحرية فارغة من المضمون.
ه ـــ /اصطدم مرّةً بلوحة تشير للتوقف الإجباري – أمامك حاجز للتفتيش- ./ لا يمكن اعتبار هذه الجملة السردية تفسيرا لما سبقها، فقد اختلفت عن الوضعية السابقة، رغم أنها مرتبطة بها من خلال الصورة والمشهد. لكن السارد عمل على إدخال حركة جديدة للتنوير وبلورة فعل العادة التي تحولت إلى قانون يفرض الوقوف /الامتثال/ الخضوع/. فالسارد ولد حياة في اللوحة، تساعد على تنظيم الوقوف، وتقنينه في غياب القانون المسطر على الورق. فجعلها تتكلم وتحاور، وتتضمن التنبيه والتحذير من عواقب رفع الرجل، والوجه للحائط، وتكبيل اليدين. عادة سببت للبطل الخوف والرعب، والتوجس. ولكي يؤكد السارد على الحالة النفسية المشروخة للبطل، وضع النص المكتوب على اللوحة بين عارضتين: – أمامك حاجز للتفتيش- ./ وهي جملة تفسيرية أو اعتراضية تعترض بين شيئين متلازمين لتقوية الكلام وتسديده وتحسينه. فقد استغنى السارد عن فعل الأمر/قف/ ما دامت الجملة الاعتراضية /- أمامك حاجز للتفتيش-./ لا يمكن أن تعوض بمفرد. ومن تم فهي إنشائيّة.
إن حالة الاصطدام باللوحة سواء كان متخيلا أو واقعيا، فإنه يخفي الكاتب وراءه قضايا مشابهة أو متقاربة تقع في الخفاء، قد لا يلاحظها عامة الناس. فالبطل/التلميذ ما هو إلا نموذج شكله الكاتب في قالب فني مقتطع من الحياة العامة، داخل مجتمع متبعثر، ومختلف عن ما هو مألوف.
/- أمامك حاجز للتفتيش- ./ البطل يخاطب نفسه، ويحثها على الانتباه. يحدث نفسه: حذار /أمامك حاجز للتفتيش/. فبناء على ما ترسخ لديه من سلوك مشابه، والذي تعلمه على يد المعلم والشرطي، تم خلق شخصية جديدة غير مألوفة.
و ـــ / توقفت عقارب ساعته.. أدمن التوقّف/ شبه السارد حالة البطل بساعة الزمن التي تتكون من أرقام وعقارب، فلم يعد البطل مقيدا بزمن الوقوف، فهو يمارسه في كل الأزمنة والأمكنة. فالزمن لديه قد توقف نهائيا، فالحاضر مغيب في ذهنه وشعوره ووعيه، فهو يعيش دوما في الماضي، والزمن يعود به دوما إلى الوراء، فمن الصعب يمكن اختراقه أو تكسيره للعيش في زمن خال من الوقوف والتوقف. فأصبح مدمنا على الوقوف في أي مكان وفي أي وقت. فقد عبر السارد عن هذه الحالة بالإدمان المستمر طول حياته./ أدمن التوقّف/
والجملة الختامية جاءت مفسرة وشارحة للحالة التي وصل إليها البطل في النهاية، وهي حالة الإدمان على الوقوف، وبذلك يكون السارد قد أعد مسارا ثابتا للبطل لا يتغير عن طريق ما يسمى: الشكل الدائرى كفضاء مغلق تجري في الأحداث رتيبة ومكرورة، والبطل يدور في دائرة مغلقة، لها انطلاقة تعتمد على مرتكزات زمنية معلنة،/ زمن الوقوف داخل الفصل/زمن التوقف في الطابور/ زمن الوقوف على باب الفرن والمؤسسة/ زمن التوقف من طرف الشرطي/ زمن الاصطدام باللوحة/ زمن التوقف الإجباري/ زمن توقف عقارب ساعته / وأخيرا، توقف الزمن، وعودته إلى الوراء نحو الماضي (زمن الدراسة).
يقول يوسف حطيني ” وقد تتغيّر المرتكزات في قصة أخرى، قد تطول كثيرا، وقد تقصر كثيرا أيضا، وربما تختفي وتبقى الصياغة اللغوية التي تدلّ على التعاقب. أما في الشكل الدائري، فإن ثمة شيئا ما يدوّر الحكاية، الحدث أو اللغة أو الصورة، أو أي شيء آخر ينتج حدثيا أو بنائيا، شيئا يشبه ما تسميه البلاغة الشعرية العربية (ردّ العجز على الصدر)، حيث تنطلق البداية مرة أخرى على شكل نهاية.” (3)
ز ـــ / أدمن التوقف/؟ فهل يمكن الاستغناء عن الجملة الأخيرةلتبقى القصة مفتوحة، لكن، نجد قصة “إدمان ” تنتهج بنية دائرية، تعتمد على بنية سردية مشحونة بالحالات والوضعيات، يمكن إعادة إنتاج بدايتها في شكل نهاية، لتصنع مفارقة لفظية لحدث الإدمان الذي بقي مستمرا إلى ما لانهاية، ويتجدد عبر الزمان والمكان بشكل ممتد ومتقطع، بدايته تنطلق من زمن المعلم، وما خلفه من عادة الوقوف في نفسية التلميذ إلى ما لا نهاية، فالنهاية أصبحت بدايات متعددة.
تركيب واستنتاج
نص قصصي يختزل رواية من روايات الكاتب محمد فتحي المقداد، وقد يجود بها على الأدب العربي مستقبلا. فالكاتب اختزل فترات زمنية من عمر الإنسان في كلمات قليلة، قصة تميزت بسرعة حكي الحدث، وتشخيص وضعيات مترابطة تشكل بنية متكاملة للنص، يدخل فيها التلميح والمشابهة، والتجاور. والقفز الجيد عن أحداث غيبها السرد عنوة. فترات عمرية قد تبدو منفصلة، لكن تلك الفترات تشكل وحدة عضوية، ممتدة عبر خطية سردية محكمة، تبتدئ بزمن الطفولة إلى زمن الرشد والرجولة. بداية تنطلق من مكان الفصل الدراسي إلى أماكن متعددة في الحياة. فلكل مكان زمانه وأحداثه، فزمن الحكاية ليس محصورا في زمن البداية، بل يتوزع حسب تطور الحدث، وحسب نموه، وحسب تنوع حالة البطل، وتنقله من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. ثم يعود ثابتا بعدما يتوقف في بداية الانطلاقة /الماضي..
فماذا تعلم هذا البطل/الطفل في المدرسة؟ لقد تعلم عادات ومهارات سيئة، امتدت معه طول حياته في البيت، في الشارع والمجتمع، تعلم الصبر على الوقوف، والانضباط، والخنوع حتى أصبح مبرمجا على عادة التوقف ووجهه للحائط. فمات التمرد الإيجابي في نفسية التلميذ. ولم يعد بإمكانه الاحتجاج والدفاع عن نفسه. غاب الحوار بين التلميذ والمعلم، وغاب التوجيه الصحيح لتعديل سلوك التلميذ إن كان مشينا، فهو لا يعدو أن يكون جرمه اعتداءا على صديق له/عدم إنجاز الفروض/ عدم الحفظ/ عدم متابعة الدرس/ الحركة الزائدة منه/ سرقة قلم لصديقه/ الشغب الطفولي……فالتربية التي تبنى على عملية الترويض السلبي والتطويع المهين هي تربية فاشلة. فكل ما اكتسبه هذا التلميذ هو مهارة اللامتثال لعادة جنت على حياته في الحاضر والمستقبل. مهارة تعادي نفسه وذاته، وتحطم فاعليته في المجتمع.
فرغم أن مهارة “الوقوف” مكتسبة، فإن من الممكن تعديلها وتكييفها لتكون إيجابية عند الحاجة، رغم أن عملية التعديل ستطول. فعندما يكبر هذا الطفل، لا يستطيع أن يتنازل عن ما تعلمه في الصغر من عادات سلبية بسهولة، فهو يحتاج إلى تنوير جديد، وقيادة جديدة. فعادة الوقوف كعقاب رتيب ومتكرر قد انطبعت في عقله وفكره، وأصبحت جزءا من كيانه ووجوده.. ولا يمكن أن يغير حياته ويكيف نفسه مع كل ظرف طارئ وحده.
النص يشير إلى عملية التعلم المبني على التطويع الفردي الذي يبقى جزءا لا يتجزأ عن تطويع أفراد المجتمع.. تعلم يغيب الهدف الأسمى للتربية، لا يسمح لإنسان الغد أن يتدرب على الخلق والابتكار، وكيفية تحسين المستوى المعيشي لنفسه ومجتمعه، تعلم يعتمد على سلب الإرادة والطاقة، وقبر حرية التصرف عن طريق التطويع والترويض السلبي. إنه إدمان مضر بالفرد والمجتمع.. إدمان ينتج شعبا متخلفا يعيش على النمطية والنسخة الواحدة والتبعية.
نص قوي، شيد بمهارة سردية متميزة.. ينتقد بشدة ما بنته طرق التربية التقليدية في نفوسنا، وذواتنا من قيم سلبية. دون إفساح المجال للطفل أن يستخرج طاقاته الصامتة، والمخزنة في نفسه وذاته وذهنه. فدور المعلم هو تعزيز ما هو إيجابي من السلوك وتقويته، وتعديل ما هو سلبي في النفس والمجتمع مستقبلا.
وختاما
يمكن اعتبار النص القصصي “إدمان” كنص أدبي تخييلي، يقابله نص آخر واقعي، قد تجسده شخصية التلميذ من طفولته إلى رجولته، وهو يعيش دوما في واقع مبعثر تنعدم فيه الفاعلية والحيوية، لأنه يسير على نهج حياة موحدة السلوك والتصرف، وثابتة لا تتغير من جراء تربية خاطئة في السابق. فالكاتب لم يسرد الواقع كما هو، وإنما انطلق من حالات، ومشاهد، وصور ملتقطة للبطل/التلميذ في حياته اليومية إلى ما نهاية، دون أن يعلق على الأحداث، أو يفصل أو يفسر، تاركا النص القصصي منفتحا فنيا على التأويل. ومحفزا للقارئ لفتح النص من خلال تقافته وتجربته، وموقفه…. واستحضار الجزئيات والتفاصيل الغائبة في النص. فالكاتب استثمر العلامات والرموز اللغوية، لتشخيص مشاهد ملتقطة من الواقع التربوي في الفصل الدراسي والمجتمع المدني، والذي يبقى موضع تساؤل وجدال حول عيوب التربية السالبة لحرية التلميذ.
___________
1 ـــ نحو رواية جديدة: آلان روب جرييه , ت . مصطفى إبراهيم , دار المعارف – مصر /ص: 35
2 ــــ عبد الرزاق اسطيطو/مفهوم الشخصية من التخييل إلى التأويل قراءات نقدية/صحيفة المثقف –العدد/5103/24/ 06/2016
3 ـــ أشكال الحكاية في القصة القصيرة جداً/ يوسف حطيني نشر في بيان اليوم / يوم 08 – 09 – 2013

المملكة المغربية
22/ 8/ 2020

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: