عماد أبو أحمد: ذاكرة الأنوف

عماد أبو أحمد: ذاكرة الأنوف

زي بوست:

كان ذلك حيا في مدينة لا يعرف الناس اسما واضحا له. بعضهم يدعونه “حي الحرائق” نظرا لنسبة الحرائق العالية التي تندلع فيه. كان حيا غريبا وأهله غرباء. يسكنه الهنود والأفارقة والعرب والأكراد وشرقيو أوروبا.كل ماكان يميزه هو صوت جهاز إنذار الحرائق الذي ينبثق فجأة خاصة في ساعات الفجر الأولى. كان صوتا يشبه وميضا مزعجا في جسد الليل.

فتح عيونه بكسل الساعة الرابعة والنصف.كان صوت الإنذار عاليا حادا كأنه ضربات سيف ساموراي. من شدة كسله أصر على أن يتجاهل ذلك الصوت.لكن نعاسه الخفيف جعله يصرخ فجأة وهو يلكم الوسادة بغضب: ليس مرة أخرى يا إلهي. نهض بقوة واتجه نحو الباب, ودون أن يرتدي ثيابه هذه المرة, خرج بسرواله الداخلي وشعره المنكوش وجفنيه المتكسرين , واكتفى بارتداء حذائه الأبيض الجديد الذي لم يلبسه حتى الآن.انطلق باحثا عن مصدر صوت جهاز الإنذار.لم يعد أنفه كما في السابق يبحث عن رائحة حريق محتمل, فلقد بات يشعر أنْ ليس هنالك بيت في المبنى يحترق.كل ما في الأمر أن جهاز الإنذار كان زائفا. ولكن لا أحد كان يمتلك طاقة لكي يشتكي لشركة الأجار صاحبة المبنى ويطلب منها تبديل أجهزة إنذار الحرائق, فجميع من يقطن في المبنى لايتكلم لغة هذا البلد الغريب الذي يعيشون فيه منذ سنوات طويلة. حتى هو نفسه الذي تعلم لغة هذه البلاد وأتقنها, قد بدأ بنسيانها شيئا فشيئا منذ أن انتقل ليعيش في هذا المبنى. كانت لغته تتلاشى كمذنب يصطدم في الفراغ المنتشر في أرجاء الكون.

صعد المبنى طابقا طابقا. كان صوت الإنذار يبتعد ويقترب في الوقت نفسه. شعر وكأنه في متاهة. اعترته رغبة بأن يقتل صاحب البيت الذي خرج منه صوت الإنذار. خرج إلى شرفة المبنى وراح يحملق في صمت, ثم انهال بالصراخ والشتائم. لعن المبنى والحي وسكانه, لعن الغربة والوطن, لعن الحديقة أمام المبنى, لعن الأرض والهواء والتراب والماء, لكن لم يكن هنالك من أحد ليسمعه.الكل غارق في نوم عميق. وبعد أن أنهكته سمفونية الشتائم, رجع مثقل الخطا إلى منزله. لم يزل صوت جهاز الإنذار يخترق الأجواء.أغلق بابه وارتمى على السرير دون أن يخلع حذاءه الأبيض. همس بصوت متعب: أكرهكم جميعا أيها الحمقى.وبعد أن رددها أكثر من مرة, استسلم أخيرا للنعاس.

في الصباح التالي كان المكان يعج بسيارات الإطفاء والشرطة والإسعاف. تجمع أهل المبنى في الطابق الخامس حيث كانت بقايا دخان الحريق عالقة في كل مكان. تهامس البعض في رعب: مالذي حدث؟ “إحدى الشقق احترقت في الليلة السابقة”. أجاب أحدهم.”وكيف لم يعمل جهاز الإنذار؟” “لم نسمع صوته مطلقا”.”لابد أن صاحب الشقة المحترقة قد عطل جهاز إنذاره”. “بعضهم يفعلون كذلك لأنهم يدخنون”. وراح الجميع يؤكد أن صوت الإنذار لم يعمل. إنهم في كل مرة يقولون ذلك بعد أن تحترق إحدى الشقق. لم يخطر في بال أحدهم أن جهاز الإنذار ربما قد طن ولكنهم هم الذين لم يسمعوه.

نجح عمال الإطفاء بالانتهاء من عملهم.وهنا جاء دور الإسعاف. أخرجوا جثة متفحمة لن يستطيع حتى أهلها التعرف إليها. كانت قطعة يابسة تفوح منها رائحة كريهة لن تنساها ذاكرة الأنوف. تلك هي رائحة الوحدة والعزلة التي كانت تعاني منها الضحية قبل أن يأكل جسدها الحريق الذي اندلع في شقتها.بعد أن استقرت الجثة في سيارة الإسعاف,نزع المسعف عنها بصعوبة بالغة حذاء أسودا ذابت كل معالمه , ثم وضعه في كيس بلاستيكي وهو يهمس: المسكين كان نائما بحذائه.

*مختارات

عجائز حارتنا (فصل من روايات بلد)

عجائز حارتنا (فصل من روايات بلد)

زي بوست: عبد القادر حمّود

(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، جملة تقليدية تستقبل بها عجائز حارتنا كل وافدة إلى المجلس منهنّ، بالطبع السابقات إلى الحضور يستقبلن بها المتأخرات منهن، وبرغم هذه الافتتاحية التي توحي بعدم رغبة بالقادمة إلى مجلسهن الموقّر فهي بالفعل غير ذلك، ولا أحد حتى تاريخ كتابة هذه الرواية يعرف إن كانت إحداهن لا تفضل الجلوس إلى الأخرى أو أن هناك مجموعة منهن تنظر بعين الريبة إلى واحدة أو أكثر، وكذلك لا أحد يعلم إن كنّ يحترمن بعضهن أو أنهن يشعرن بغير ذلك من مشاعر مختلفة تتراوح بين البغضاء والحب..
ولا أظن أن أحداً كلّف نفسه بتتبع الخطوط البيانية لتلك العلاقة أو العلاقات المختلفة، فعجائز حارتنا تشكيلة ربما كانت واحدة من تشكيلات عديدة تتشابه في طبيعة العلاقة وتختلف من حيث التوزع الجغرافي، أو أنهن تشكيلة فريدة من نوعها لا يوجد لها شبهاً في أي مكان آخر من الكرة الأرضية..
وبالنسبة إلى المجلس، فهو ليس مجلساً رسمياً كمجلس الأمن أو مجلس الشعب أو مجلس البلدة إنما مجرد ملتقى من المفترض أنه عفوي ولكن مع مرور عشرات السنين أصبح عادة لا بدّ منها، واتخذ صفة ما يمكن أن نقول إنها رسمية طالما أنه دائم الانعقاد على مدار السنة وإن اختلفت الأمكنة، ففي الفصول الباردة مثلاً هناك مكانان، واحد للأيام المشمسة ويقع تحت شباك جارتنا الحاجة (ربّوع)، وللأيام الماطرة أو التي لا يمكن الخروج بها إلى الشارع فاللقاء يكون في بيت الحاجة (رهجة)، والتي غالباً ما ينادونها أم محمد مع العلم أن اسم ابنها الوحيد (فارس)، أما في فصل الصيف تحديداً فاللقاء يتم على مصطبة الحاجة (جورية)، وللعلم أن تلك المصطبة بناها المرحوم (عبد المعطي) زوج الحاجة جورية في مكان ظليل أغلب الأوقات، وكان يتمنى أن تكون مكاناً مناسباً لراحته في الأيام الحارة ولكن مجلس عجائز الحارة أحبط مخططه بنسبة ما…
وإذا تجاوزنا جملة الاستقبال الغريبة وانتقلنا إلى لغة الخطاب بين أولئك النسوة نجد أنهن يستخدمن كلمة حاجّة قبل كل اسم مع العلم أن أغلبهن لم يزرن الحرمين الشرفين ويؤدين فريضة الحج، ولعل تلك الصيغة هي الأخرى أصبحت تأخذ الشكل الرسمي بعد أن كانت مجرد عادة وذلك لتواتر استخدامها ومرور أيام وليال لا يمكن أن تحصى على استخدامها بينهنّ..
قالت الحاجة (راجحة) وكانت آخر الواصلات إلى المجلس وهذا يعني أنها استقبلت بأكثر من سبع أو ثمان من جُمل الاستقبال المعهودة، بالطبع دون أن تصل إلى مسامعها أي من تلك الكلمات، فكل واحدة تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بصوت خافت تحرص على أن لا تسمعه أقرب العجائز إليها، وبعضهن يكتفين بتحريك شفاههن أثناء ترديد العبارة، وقلما تجهر بها عجوز إلا في مناسبات قليلة كأن تكون العجوز التي في جوارها من خواصها المقربين جداً، على كل حال قالت الحاجة راجحة: (لا أخبئ عليكم يا جماعة، البارحة اشترى ابني سطام راديو، وسمعت بنشرة الأخبار عجائب)، ولوت الحاجة (خيرية) عنقها باتجاه المتحدثة وقالت: (راديو، شيء جميل، وماذا سمعت؟)، وهنا عدّلت الحاجة راجحة من جلستها وقالت: (أشياء، أغلبها لا تسرّ الخاطر، فمثلاً سمعت أن الحرب بيننا وبين اليهود طويلة والناس يموتون بالجملة، وأن أسعار السكر ستصبح أغلى مما هي عليه، وكذلك الخبز، ويا لطيف سمعت أن هناك مرض يصيب الماعز والغنم ينتشر في بلادنا بسرعة عجيبة، ويمكن أن تصاب مواشينا بذلك المرض)، ومطّت (أم تيسير) شفتيها بطريقة كانت تتقنها، ولا يعني ذلك اعتراضاً على كلمات الحاجة راجحة، إنما كان الأمر تمهيداً لتدخل مشروع في الحديث، وانتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على زمام الكلمات، وحين سنحت لها الفرصة قالت: (لا يوجد شيئاً يسرّ، كل الأمور أصبحت أسوأ مما كانت عليه، سمعت أن الشرطة أخذت ابن أم أحمد من الحارة القبلية ولا أحد يعرف السبب)، وهنا انتفضت الحاجة (رمزية) وقالت: (الشرطة، ليت الأمر كذلك، الخبر الأكيد أن المخابرات هي التي أخذته، سمعت أنه يشتغل في السياسة)، وقالت عجوز أو أكثر: (يا ساتر)، وأردفت إحداهنَّ: (الله يعين قلب أمه، أرملة ربت أولادها كل شبر بنذر)، وهمست الحاجة (رهجة) بأذن أقرب الجالسات: (سمعت أن زوج فخرية بنت أم جابر يشتغل مع الدولة وهو من كتب تقرير بابن أم أحمد)، والتقطت إحداهنَّ طرفاً من الكلمات، فهمست: (بالتأكيد، زوج فخرية اختلف مع ابن أم أحمد أظن على طائر حمام، أو دجاجة لا أعرف، وصارت مشكلة بينهما، وابن أم أحمد بصق في وجه زوج فخرية، والثاني قال له سأحلق شاربي إذا ما جعلتك ترى نجوم الظهر)، وقالت الحاجة (رهجة): (لا أعرف أين وجدت أم جابر هذا المنظوم لابنتها، سمعت أنه أوسخ من الوسخ نفسه)، وقالت إحدى العجائز: (صهر الغفلة، لو بقيت فخرية على قلب أمها أفضل من زوج كهذا الذي لا أعرف بماذا سأصفه، كل النساء يتزوجن ويذهبن إلى بيوت أزواجهم إلا بنت أم جابر أتت بزوجها إلى بيت أهلها لا أعرف من أي بلد، ولا أحد حتى الآن يعرف من أي مزبلة نبشته المنظومة أمّ التي لا تسمّى، وكأن البلدة ناقصة زبالة، يا لطيف)، وهزت الحاجة رهجة رأسها وهي تقول: (بالفعل، صارت البلدة مجمع نفايات لكل من هبَّ ودَبَّ)، وعلّقت الحاجة (جورية) قائلة: (الله يرحم أيام الجراد والقمل والبراغيث، والله كانت العيشة أفضل من عيشة هذه الأيام، ما أحلى جرب تلك الأيام لو قارناه بجرب هذه الأيام)، وهزت أغلب العجائز رؤوسهن دلالة موافقة كلمات الحاجة جورية لما يدور في رؤوسهن التي لم تتعود كثيراً الخوض في أحاديث من هذا الطراز بعد أن تخصصن بأحاديث الشؤون اليومية والمفردات التي لا تتجاوز حدود حارتنا، وكمن لا يعني لها الأمر شيئاً تكلمت الحاجة (ربّوع)، فقالت: (لم نشاهد شيئاً بعد)…

عبد القادر حمود: مجمع نفايات (فصل من روايات بلد)

عبد القادر حمود: مجمع نفايات (فصل من روايات بلد)

زي بوست:


خلقه الله ليكون خليفة في الأرض، كما يقول المسلمون، وخلقه الله على صورته، كما يقول النصارى، ولكن، ولأمر ما جنحت بعض المراكب بعيداً عن مسارها المفترض، وأسلمت قيادها للموج يمضي بها إلى جهة أو أخرى، فضلَّت البوصلة، وعاد السؤال مرة أخرى، ولكن تلك المراكب الجانحة مازالت توغل في جنوحها، ولا تعلم أن ذلك الخليفة كان عليه أن يحتفظ بمادية الخلافة تلك ولا يبتعد أكثر ليبحث عن خلافة معنوية أو روحية، وأن تلك الصورة لا يجب أن تدخل عالم المادة وأن عليها البقاء في إطار المعنى والروح لا أكثر، ولذلك فلا بدَّ من قراءة أُخرى لأحداث رواية لا بدّ أن أحداً ما سيكتبه لا ليوثق تاريخاً كان، بل ليحذف من الزمن القادم ما قد يكون..
بلا مقدمات جأر عبد الله الفرج: (ما عاد الأمر يحتمل، يجب أن يكون هناك حلٌّ، أي حلّ يا أخي، المهم أن نخلص من قطار الشرق الصريع )، ورفع برهوم القصاب رأسه قليلاً، وكان برهوم هذا معروف ببرودة أعصابه وهدوئه التام في معالجة الأمور، وهذا ما حدا بصديقه شاكر البيضة أن يلقبه بالدبلوماسي، لقد قال برهوم متسائلاً بعد أن رفع رأسه كما أسلفنا: (أيَّ قطار؟!)، وبذات النبرة أجاب عبد الله، وفي الحقيقة كان لا يريدها إجابة ولا توضيحاً إنما كان من المفترض أن تكون تتمة لحديثه الذي يجب على الجميع أن يفهموه على مختلف مستوياتهم الفكرية والطبقية، لقد قال:(قطار مشاكل هذا البلد، بلدنا المبجّل، بلد الصمود والتصدي والبطيخ والحكي المصدّي..)…
لم يضحك برهوم، ولم تغيّر العبارة الأخيرة لعبد الله شيئاً يُذكر في نبرة صوته أو انفعالاته بشكل عام، على الرغم من أن الرجل أرادها قنبلة خارقة حارقة في ماء كان يرى أنه ليس راكداً فحسب، بل منتناً حتى القرف، ولعل الأغرب في الأمر أن أحداً منهما لم يلتفت إلى الجهات الست أثناء ذلك كما هي العادة الدارجة عند أبناء البلد، وهذا ما نسف القول الذي كاد أن يكون ذا قدسية (الحيطان لها آذان)، وبلا أية دلالة على أن الكلام في دائرة الممنوع أو أنه اختراق تام لركن أساسي من أركان الـ(التابو) ، وخوض في حرمة الخطوط الحمراء، قال برهوم: (كثيرة هي مشاكل البلد، أكثر من قمامة الشوارع، ولا أظن أنّ عاقلاً له القدرة حتى على التفكير بحلّ، لقد أصبح الفساد بعضاً من تراثنا المجيد، فما الذي جدَّ في الأمر لتفكّر به وبمثل هذا الانفعال؟)…
قال عبد الله: (الأمر لا يتعلّق بما كان، بل بالمستجدات، مشاكل من طراز آخر، وكأننا بحاجة إلى مشاكل جديدة، وسأضرب لك مثلاً صغيراً على ذلك، فيا أخي كلّ بلد في العالم، أقول لك كلّ بلد في العالم كلّه، يريد التخلّص مما لديه من لحوم فاسدة، وبدلاً من أن يتمّ إتلافها كما هو مفترض تتحوّل بقدرة قادر إلى أسواق بلدنا تحت شعار، لحوم مستوردة، وانتبه إلى أن بلدنا من البلدان الأكثر إنتاجاً للحوم البقر والغنم والدجاج وغيره، وبالرغم من ذلك فاللحوم المجمّدة، والتي يقولون إنها لحوم مستوردة تُغرق أسواقنا ولا أحد يعلم مصدرها أو الأمراض التي يمكن أن تنتقل خلالها، وأقسم لك أنّ الجراثيم والبكتريا تكاد تطلّ من جلالة اللحم المهرّب ولا أقول المستورد، فقد اكتفينا من الكذب وقلّة الشرف)، وتدخَّل شاكر بيضة الذي وصل إلى المكان في منتصف كلام صديقه عبد الله: (لا أعرف، أرى أنّ كل شيء في هذا البلد غلط، يكاد راسي ينفجر حين أحاول أن أتبين ماذا تفكر به حكومة هذا البلد، ولو استثنينا براعتها في صناعة الفساد والمفسدين لكانت الانجازات صفراً لا أكثر)، وعلّق برهوم القصاب بنوع من التهكّم المبطَّن: (لا تظلم الحكومة، إنجازاتها لا تخفى على أحد، لم تكن معنا من أول الحديث، أقصد عندما تحدثنا عن المنجزات في مجال القمامة والزبالة، والله بلدنا صارت أكبر منتج ومستورد للقمامة)، ضحك شاكر بمرارة من مجاملة صديقه برهوم، وشاطره ذلك عبد الله الفرج، وبعد أن التفت خلفه وتأكّد أنّ لا أحداً يستمع لحديثهم، قال: (يا جماعة، بالفعل شر البلية ما يُضحك، كانت مصيبتنا بوزارة التموين وما تستورده من نفايات وقمامة، حتى صارت أسواقنا وبوادينا وسهولنا وجبالنا حاويات للسموم ومستودعات للقمامة والزبالة)، قال برهوم: (يا رجل، لا تقسو على الجماعة كثيراً، يمكن أن يكون ذلك ضمن الخطط الاستراتيجية لنهوض البلد من ركوده…)، وقاطعه عبد الله الفرج قائلاً: (ما شاء الله، فعلاً خطط عظيمة يا أبا البرّ، لكي يكبر رصيد فلان وعلان صارت بلدنا مسخرة، وكم تحدثنا فيما سبق عن اللحوم الفاسدة، لحم غنم، بقر، كلاب، حمير، ولكن المصيبة صارت أعظم من جراثيم وبكتريا، انزل يا أخي إلى وسط البلد، “بستان كليب” تحديداً بعد الساعة التاسعة ليلاً سترى نوع آخر من اللحوم الفاسدة، روسيّ، أوكرانيّ، عربيّ، أجنبيّ، كلّه للبيع في مجتمع الأخلاق والفضيلة..)، وضحك برهوم القصاب بصوت عال، مما لفت انتباه رجل يجلس على بعد أكثر من عشرة أمتار عنهم، وهذا جعل شاكر البيضة يعض على شفته ثم يغمز لصاحبيه بعينه ويشير نحو الرجل، وحين تأكد الجميع ان الرجل غير معنيّ بهم وبما يتحدثون به تابع عبد الله قائلاً: ( على كل حال ليست مشكلة إذا كانت تخصّ اللحم وحده، سواء ما نراه في دكان الجزار أم في ملاهي بستان كليب كان من الممكن تحمّل ذلك، فقد تحمّلنا في هذا البلد الكثير، وقشّة أخرى لن تقصم ظهر البعير، دعنا نتحدّى الأمثال والأقوال، لا بأس في ذلك ولكن ما رأيك في أن السلاح الذي تستورده بلادنا والذي ندفع له دماء قلوبنا ثمناً ما هو إلا نفايات سلاح تتخلّص منه الدول الكبيرة وتقبض فوق ذلك ثمناً له بالعملة الصعبة أقصد “الدولار”، نعم إن ما يدعي زعماؤنا أنه سلاح هو بالفعل مجرّد خردة، نفايات لا أكثر، إنه منسّق منذ عشرات السنين ولا يصلح إلا للصهر وتحويلة إلى أي شيء ينفع، والغريب أنهم عندنا هنا في البلد يتباهون بامتلاكه ويلتقطون الصور بجانب الدبابات والمدرعات التي يسمونها حديثة وهي في الحقيقة لا تفرق كثيراً عن دبابات موسيليني التي كان يطارد بها عمر المختار وجماعته في ليبيا قبل حوالي سبعين أو ثمانين سنة، تذكرت الدبابات التي شاهدناها في فلم عمر المختار الذي عرضه التلفزيون ، هذه التي أقصدها، بالفعل لا تفرق عن دباباتنا “الحديثة” شيئاً، وانتبه يا أخي إن كلمة الحديثة موضوعة بين قوسين، نعم، والطائرات والصواريخ والسفن الحربية وكل الأسلحة التي نستوردها لا تنفع إلا للصهر وإعادة التصنيع من جديد، بالفعل صارت بلدنا مجمع نفايات، بالفعل مجمع نفايات، حتى النفايات النووية، انتبه يا أبا البُّر حتى النفايات النووية، يعني الذرية، وجدتْ من يحملها من شرق الأرض وغربها ويدفنها في تراب بلدنا، هكذا على عينك يا تاجر، وكأنه يظنّ أنّ الناس عميان ولا أحد يرى، يا أخي أحلقُ شاربي إذا لم يكن كل الناس يعرفون الأمر بأدقّ تفاصيله، ويعرفون من الذي وراء وأمام إدخال تلك النفايات السامة، وأين دفنت، والثمن الذي قبضه المجرم، نعم المجرم بكل ما تعني الكلمة، كما يعرفون الثمن الغالي الذي سيدفعه المواطن الذي لا يعرف من أين يأتيه الهمّ، ولكن يا أخي لا أحد بإمكانه أن يفتح فمه بكلمة، وأنت وأنا نعرف السبب، وخلاصة الأمر أصبح بلدنا مجمع نفايات، بالفعل مجمع نفايات، ولم يعد الأمر يتحمّّل أكثر من ذلك)..
توقف عبد الله عن الكلام، ملتقطاً أنفاسه من جهة ومنتظراً معرفة مدى تأثير كلامه على برهوم، وربما على أشخاص كان يعرفهم جيداً وكانوا على بعد خطوات قليلة من موقعه وموقع برهوم القصّاب، فقد كان يرفع صوته عند بعض الجمل بشكل واضح وهذا ما أوحى بأنه يريد لكلماته تلك أن تبلغ أسماعهم، ولا أحد يمكنه أن يتكهّن لماذا كان عبد الله يتعمّد فعل ذلك، حتى برهوم نفسه برغم أنه لم يكن يظهر أية مبالاة بتصرف عبد الله إلا أن أغلب الظنّ يذهب إلى أنه لا يعرف السرّ الكامن وراء ما يفعله عبد الله في هذه اللحظات رغم أن الأشخاص المقصودين لا يبدو عليهم أنهم يستمعون للحديث، وعلى ما يبدو فلا أحد منهم يملك رغبة متوقعة بالمشاركة بهذا الحديث الطارئ، بالطبع ليس بمضمونه وبعباراته ومفرداته بل بالأسلوب الذي اختاره عبد الله وبخاصة فيما يتعلق بنبرة الخطاب وجرأته وخروجه عن مألوف القوم، ولعل أحداً ما ظنّ أن الأمر تهوّر غير محسوب العواقب….
قال برهوم مستغلاً توقف عبد الله عن الكلام: (مجمع نفايات، تعبير بليغ ولا شك، ولكن يا صديقي يجب أن نتذكر بعض كلمات جارتنا الحاجة “ربّوع” رحمها الله، على كل حال أظنّ أنه كان يجب أن يكون أسمها ربيعة أو رابعة ولكن حضرة والدها رحمة الله عليه سماها هكذا “ربّوع” وكانت المرحومة جدتي تناديها “ربّوعة”، المهم ليس الاسم ولكن ما كانت تقوله عندما تسمع حديثاً كالذي كنا نتحدث به، أقصد حديث الشكوى والتبرم وما شابه ذلك، كانت تقول “لم تشاهدوا شيئاً بعد”، بالفعل لقد شاهد الناس وشاهدنا معهم أضعافاً مضاعفة من المصائب والبلايا وأشكال الفساد، بالفعل لقد تضاعفت تلك الأمور مرات ومرات عمّا كان في زمن جارتنا “ربّوع”، وكلما ظننا أن الأمر وصل إلى رقم قياسي تبين لنا أن هناك أشياء أخرى ستضاف إلى رصيدنا القذر من جديد)..
وجأر عبد الله مرة أخرى: (وماذا سنشاهد بعد، وهل يتسع البلد لنفايات أخرى؟!)، وهزَّ برهوم رأسه بأسف ثم قال: (لم نشاهد شيئاً بعد)…

عبد الغني حمادة: صهر الدولة

عبد الغني حمادة: صهر الدولة

زي بوست:

يتكلم عن خدمته العسكرية، كما يتغزل عاشق هائم متيم بحبيبته، يغمض عينيه ويتخيل دبابته حورية لم يمسسها إنسي ولا جني، طاهرة مطهرة( ما باس تمها غير أمها )..
مهاوش، ابن العم الغالي، جحش البكالوريا كما يسميه أبناء عشيرتنا، كونه تقدم لامتحان الثانوية العامة للفرع الأدبي ثلاث عشرة مرة ولم ينجح فيها، وفي كل سنة يرسب في كل المواد إلا بمادتي الديانة والتاريخ فكان يحصل درجة الحد الأدنى للنجاح…
أمه كانت تتباهى بأن مهاوش متدين يخاف الله، ويحفظ تاريخ بلادنا…
بعد رسوبه مرتين في شهادة البكالوريا، انتهت فرص التأجيل عن الخدمة العسكرية، فكان لا بد من أن يذهب لأداء الخدمة الإلزامية برتبة عريف.
مهاوش عاش قصة حب عنيفة مع شعيلة، ابنة الرفيق الماركسي( أبو نضال )…
يقول ابن العم، بأنها كانت سببا في فشله، لأنها دائما تعطله عن الدراسة:
– يا أخي، لا تغيب شعيلة عن خيالي أبدا، كلما فتحت الكتاب أرى وجهها مرسوما علي صفحاته، وكلما سمعت أغنية راقصة، اتصورها ترقص أمامي، وتغمزني بطرف عينها كما تفعل سميرة توفيق في أغانيها.
أم مهاوش، تقولها بكل صراحة أينما جلست:
– شعيلة جننت ابني، أخذت عقله، وياليتها تستحق هذا العشق، معصمصة، وفراكيحها نابقة من رجليها مثل قرون العنزة.
كيف تعلق مهاوش بها وهي بهذا الكم من القبح والبشاعة، لا أحد يعلم سواه؟!!…
لكن لمهاوش رأي آخر، يتقاطع مع رأي قيس بن الملوح:
– إني رأيت ما لم تروه من شعيلة!!..
حاول مهاوش أن يقنع أمه بالخطبة، طامعا بوعد الرفيق( أبو نضال ):
– سأدبر لك وظيفة في الدولة، وسأرخص لك مسدسا، وستنال شهادة البكالوريا، إن أصبحت صهري!!..
لم تسعه الدنيا، فغدا سيصبح موظفا مهما في الدولة، سيرتدي الطقم وربطة العنق والعطر، وسيغدق عليه المراجعون الهدايا، كيف لا وهو صهر الرفيق المقرب من القيادة ( الحكيمة )…
أمه رفضت رفضا قاطعا، وعرفت كيف تثنيه عن هذا الحب، وتبعده عن تلك الوقعة السوداء المسخمة، عن جورة القاذورات تلك، كما تقول أمه..
شعيلة، خلقت في الوقت الضائع على مايبدو، ومع أنها كانت تستعمل الكثير من أدوات التجميل، فقد كانت تزداد قبحا ونفورا…
سمراء فاحمة، تدهن وجهها بالمساحيق المبيضة، وترسم ظلا أزرقا لجفونها، وتضع الحمرة الزهرية على شفتيها المقلوبتين إلى داخل فمها، فتظهر وكأنها بلا شفاه.
المبيض يجعل وجهها وكأنه لامرأة أخرى، من حوار كلسي، فكفاها يفضحان لون بشرتها الغامقة.
وفوق هذا وذاك، فأنفها المفلطح يكاد يغطي نصف وجهها، وزاد نشوز شكلها، ذلك الشعر المظلم الخشن الذي تصبغه باللون الأصفر الذهبي، أما أظفارها فقد كانت تطليهما بالأبيض الفاقع.
يا إلهي !!..
ماذا رأى مهاوش فيها، كيف أسرت قلبه، لا أحد يعلم!!..
– لو شممتم رائحة عطرها، لغيرتم رأيكم فيها!!..
أم مهاوش نجحت وحسمت الأمر:
– سأشتري لك( تراكتور ) إن أطعتني وسمعت كلامي، وتركت ابنة ذلك الذي لا يعرف الله..
ابن العم مهووس بالآليات، روح قلبه حديث السيارات والدبابات مؤخرا، بعد أن انخرط في سلك الجندية…
منذ صغره يهوى لعبة الدراجات والسيارات، وكان ماهرا في تقليد صوت المحركات وهي تقلع( عان، عان، عااااااان … )، ثم يسحج قدمه اليمين عدة مرات، ويطلق زمور الهواء( الفشافش )، وينطلق بسرعة الثعلب، مع زوبعة من الغبار تلاحقه…
رنت أذنه بكلمات أمه…
( تراكتور، يعني سيصبح لدي آلية أخيرا، يا سلام، تراكتور وخلفه تريللا، لتذهب شعيلة إلى الجحيم، التراكتور سيجلب لي مئة شعيلة )…
أم مهاوش وفت بوعدها، واستلم ابن العم مفاتيح التراكتور، وصار كظله أينما ذهب، إلى الدكان، أو زيارة أخته أو قبر أبيه، حتى إلى صلاة الجمعة كان يرافقه تراكتوره الأحمر( فورد سن )..
ولا ينسى أن يمر من أمام بيت شعيلة كلما تذكر رائحة عطرها وألوان ألبستها الداخلية، ويلوح لها بمنديله الأحمر المخطط،  وهو يبتسم.
أوصى أمه:
– إياك أن تعطي التراكتور لأحد، حتى لهذا الفصعون!!..
مات أبو مهاوش منذ عشر سنوات، بمرض القلب، وترك بنتا متزوجة وولدين، مهاوش وصالح الفصعون على رأي مهاوش…
سلم المفاتيح لأمه، والتحق بالخدمة العسكرية في الفرقة السابعة قريبا من دمشق اختصاص دبابات…
في إجازته الأولى، بعد دورة الأغرار، درب شباب وأولاد الحارة النظام المنضم:
– انتبيييييه، استرح، استعد، اح، اتنين، وقووووف، قف…
يمين در، يسار در…
وهكذا كان كل يوم يعطي الدروس بحماس منقطع النظير، ولم ينس أن يأتي إلى الدرس بواسطة التراكتور، وهو يرتدي اللباس العسكري الخاكي…
عندما أنهى دورة الاختصاص، صار يعطي الشباب دروس عن الدبابة( T.62 )..
طولها، عرضها، طول السبطانة، عيار الجف، برجها، الجنزير، وزنها، المدى المجدي، وكل شيء عن ميزاتها الفنية والتعبوية، وأحيانا كان يستغين بالتراكتور لشرح الدرس:
– هناك فارق كبير بين دبابتي وتراكتوري، لكنهما يتفقان بأن كلاهما يسيران على المازوت، وقوة الدفع لديهما من الخلف..
قال له عجوز طاعن في السن:
– أنت تفشي أسرارا عسكرية يا مهاوش.
– لا، لا يا عم، موقع الكتيبة، والرقم العسكري، واسم المعلم، هذه أسرار لا يجب أن نبوح بها…
الرفيق أبو نضال، كان في كل دورة لمجلس الشعب يعدونه بمقعد، وفي اللحظة الأخيرة يعتذرون منه:
– حزبكم صغير، لا يحتمل أن يكون له ممثلان في المجلس، هذه السنة ممثلكم من طرطوس وبعدها اللاذقية، ثم السويداء ثم دمشق ووو…
وهكذا، في كل دورة ينتظر أبو نضال معجزة ليصبح عضوا يمثل حزبه الماركسي في مجلس الشعب…
لكن وبعد الانشقاقات التي أحدثت في صفوف أحزاب( الجبهة الوطنية التقدمية )، أبلغ الرفيق( المناضل ) بوضع اسمه في قائمة الجبهة عن فئة العمال والفلاحين.
نجاح الرفيق أبو نضال وانتقال سكنه إلى العاصمة دمشق، أحدث انقلابا لدى ابن العم.
بعد زيارة قصيرة لأبي نضال ليبارك له بالنجاح، قدمت له الضيافة، والقهوة المرة في قاعة كبيرة، تتصدر حيطانها صور ماركس وستالين ولينين، وفوق الجميع صورة القائد( الملهم ) حافظ أسد، وهو يصافحه يوم أداء القسم…
التفت إليه الرفيق، وسأله:
– كم بقي لك لتتسرح من الجيش؟!!.
وهو يمسح عرقه المتفصد من جبهته:
– شهر وخمسة أيام…
– وظيفتك جاهزة، اعتبر نفسك سائقي ومرافقي الخاص، ما رأيك؟!!..
تابع الرفيق وعوده، فيما كان مهاوش صامتا يستمع ويحلم( سيارة مارسيدس، مسدس، نظارات سود، طقم أسود، قميص أزرق، ربطة عنق حمراء، وعطر فرنسي )
– هل نقرأ الفاتحة عليكما، أنت وشعيلة؟!!..
وهكذا تزوج مهاوش شعيلة، وصار صهرا للرفيق( أبو نضال ) الماركسي!!…

علي السباعي: حقيبة الإرهابي ذي البذلة الأنيقة

علي السباعي: حقيبة الإرهابي ذي البذلة الأنيقة

زي بوست:

أصوات قرع نواقيس كنيسة الأرمن الواقعة بداية شارع النضال، تطرق سمعي بعدما خلّفتُها وراء ظهري ماشياً. خطوتي بحجم مساحة بغداد في اتجاه ساحة الطيران، كأني فلاّح أحرث ابتسامتي في وجوه المارة.
انعقد الصبح وأنا وحيد، وضائع مثل ضوء في الضوء.

صباح بغداد يفتح كل نوافذ البغداديين.

أسمع أصوات ضرب النواقيس التي أعطيتها ظهري، لتصيبني أصداء أجراسها الحزينة القديمة المنحدرة إليَّ بالحنين، محمّلةً ذكريات زمن جميل، وعواطف صادقة، يوم كنت طالباً في عاصمة الدهشة، قادماً إليها من أور، مرتدياً قميصي الأبيض الناصع، وذكريات حبّ منسية إبان الدراسة الجامعية تعصف بروحي، لتملأني بسلام جديد؛ سلام بغدادي يشبه صباحاتها الربيعية الجميلة.

أسمع صوتها هذا الصباح فينتابني شعورٌ باليقظة لأنني فيها، وأنا أمرّ ماشياً على رصيف الشارع، من ساحة التحرير حتى جسر الجمهورية.

نهاية محلة البتاويين، لازمني شعورٌ بأن أكون يقظاً لأنني في بغداد.

أمشي مشرقاً صوب سوق هرج الباب الشرقي، ماراً بفرح كبير أمام واجهات استوديوهات التصوير، وإلى جانبي الأيمن حديقة الأمة، قاصداً ساحة التحرير.

ما دمت في بغداد، تستبد بي مثل هذه الحال.

شمس دار السلام تكاد تأخذ وضعها العمودي فوقنا. باحمرار خفيف يشع ضوؤها شاسعاً وسط سماء زرقاء واسعة مدهشة.

يلفت نظري رجلٌ حلو القوام، رشيق، طويل، مرفوع الرأس، يرتدي بذلة أنيقة فاخرة جداً. الرجل واقف، يتصل متحدثاً بصوتٍ عالٍ عبر هاتفه النقّال الثمين، قرب قدمه اليسرى حقيبة ديبلوماسية سوداء.

تستوي الشمس عمودية ساخنة.

رجل البذلة لا ينحني للشمس الغاضبة، وأنا الذي ينحني لكل شروق شمس، لا أعرف السبب الذي يجعلني أنظر إلى ذلك الرجل ممسكاً هاتفه الجوّال الفاخر بيده اليمنى، واضعاً إياه على صيوان أذنه اليمنى البيضاء الكبيرة. تحيط بي عيون عراقية تعكس الضوء بلونها الداكن.

ذلك كلّه، والرجل يتكلم بصوتٍ عالٍ، مخاطباً الرجل الآخر الذي يقيم الاتصال معه، وثمة وجوهٌ مشرقة، مسفرة، ضاحكة، مستبشرة، ووجوه مغبرة، ووجوه صامتة منتظرة:

– كيف آتي إليك وحقيبتي مكتظة بالدولارات؟!

تطلّ شمس الزوراء مزهوة مطمئّنة، ترسم تفاصيل خطوط ثوب عرسها الأبيض الواسع، تحوكه من غزل ضوئها الأبيض الوافر.

بنظرة جانبية من عيني، أرى ملامح شخص شاب يمشي بخطوات سريعة أقرب إلى الجري في ممرٍّ ضيّق محاطٍ بأشجار الرازقي، قادماً من قلب حديقة الأمة، صاعداً بلاطات نصب الحرية البيض.

أسمع صوت الشاب واضحاً يتحدث عبر هاتفه:

– أخاف أن أسرق!

حرارة ثقيلة تبعثها محرّكات السيارات السريعة داخل ساحة التحرير. حرارة الجو وموجاتها الحارة المتغيرة تجعل عرقي يتصبب بغزارة فيتساقط على قميصي الأبيض الناصع.

يصل من أقصى حديقة الأمة، الشاب الذي يمشي سريعاً.

الرجل ذو البذلة الأنيقة الفاخرة واقفٌ بثباتٍ في مكانه تحت نصب جدارية الحرية، مستمراً في إدارة حديثه مع محدّثه بصوت عال.

قبل أن يكمل رجل البذلة الأنيقة مكالمته الهاتفية، شابُّ حديقة الأمة الذي يرتدي ملابس رياضية وينتعل حذاءً رياضياً، ينهب حقيبة الثري، الذي لم تصدر عنه أية استغاثة أو صيحة لطلب النجدة.

أقطب حاجبيَّ مستغرباً.

رجال شرطة ساحة التحرير، يرابطون في مكانهم لاهين مطرقي الرؤوس في تصفح هواتفهم الذكية.

عينا الرجل الثري تضحكان وهو ينظر إلى اللص الذي يجري مبتعداً بسرعة شديدة ناحية سوق هرج الباب الشرقي.

بعد أن يعبر الشارع من ساحة الطيران الذاهب صوب شارعي الجمهورية والرشيد أو جسر الجمهورية، يزوغ داخلاً حشد الناس شاقاً لنفسه طريقاً بينهم، فرحاً بسرقته.

وسط حشد المتبضعين في هرج الباب الشرقي، يتناول الثري ذو البذلة الفاخرة هاتفه الخليوي الثمين فتضغط أصابعه الطويلة القاسية بغيظٍ هائلٍ على أرقام لوحة مفاتيحه متصلاً، ضاحكاً بمكر وكأنه يلعب لعبة ماكرة.

تمر لحظة قصيرة، أعيشها، ولا أتجاوزها.

أرى من قريب الوهج البرتقالي يبرق صاعداً بلهيب أحمر، حازّاً رقاب الناس إلى السماء، محتشداً بشعلة زرقاء محمرة، محمّلة أشلاء المتبضّعين.

قبل قليل كنت روحاً مشرقة كالضوء. بعد لحظة صرت ضائعاً مثل ضوء شمعة في مهبّ الانفجار.

لم أمت بسبب الانفجار الهائل الذي أشعل السماء بنيران خضر.

الانفجار فانوس أضاء الوجوه الصامتة، وألحق الخراب بساحة الحرية، وأزهق أرواح الناس بسبب القنبلة المزروعة في حقيبة الإرهابي الذي لم يغادر ضحكته، وهو يرى الفخ الذي أوقع فيه سارقَها.

عبد الغني حمادة: عندما كان هتلر مراهقا

عبد الغني حمادة: عندما كان هتلر مراهقا

زي بوست:

كم كنت أكره هذا الطالب!!..
لا بد أنه وشى بي للمدير حين لمحني أقترب من زميلتنا الوحيدة في الصف السادس. الحقيقة أنا كنت أتقصد أن أقف وراءها عندما يرن الجرس للفرصة، وألامس جسدها.
“جلنار” كانت أكبر طلاب المدرسة، من يراها من بعيد يخالها معلمة لا تلميذة، فصدرها الناهد نبتت فيه رمانتان لفانتان، بل رقدت يمامتان واستكانتا على صدرها.
“قاسم” ضبطني أكثر من مرة وأنا أفتعل الزحام لألتصق بتكويراتها ومنحنيات جسدها اللدن، وأشاغب بأصابعي بخصلات شعرها البندقي الهاربة من تحت منديلها الزهري.
قاسم كان كلما رآني، يغمزني بلؤم بعينه اليسرى، وكأنه يقول لي:
– أنا (شايفك بس عايفك).
قاسم لئيم جدا، لا يرحم من يقع بين يديه، في إحدى المرات، طارد كلبا في الخرابات لمدة ساعتين أو أكثر، لأنه نبح على جلنار قرب المقبرة، ولم يتركه إلا بعد أن قطع أذنيه.
صوت المستخدم أخافني وهو يطلب من معلمنا البدين:
– المدير يريد مسعود.
في تلك اللحظة، تمنيت أن تنشق الأرض، وتبتلعني، نظرت في وجه قاسم، فأدار وجهه إلى الحائط، وراح ينكش منخاريه بسبابته، وكأنه لم يسمع بأنني مطلوب للإدارة.
أما جلنار، فقد تشاغلت بكتبها ودفاترها وأزرار قميصها، ويبدو أنها لم تكترث كثيرا بما قد يحصل لي، وهذا ما عبرت عنه عيون باقي الطلاب الذين تعاطفوا معي، لا لشيء، فقط لأن المدير لا يطلب طالبا إلا لعقوبة لم ينزل الله بها من سلطان.
لعنة الله على قاسم المفسد، كل الحق عليه، وعلى جلنار، لو أنها صدتني من أول اقتراب منها، لابتعدت عن شقاوتي معها، ولما ورطت نفسي بعقوبة لا يحتملها بغل جدي الشموس أبو غرة.
ماذا أفعل مع مدير أقل عقوبة لديه، “الفلق”، عشرون ضربة بالخيزرانة أو أكثر على القدمين المبللتين بالماء والملح.
يا إلهي، كم كان قاسيا!!.
كان الطلاب يطلقون عليه لقب، هتلر، لسببين، لقسوته أولا، ولشكل شاربيه ثانيا.
يا لك من وغد يا قاسم!!..
نقرت باب الإدارة بقفا كفي وأنا أرتجف:
– تفضل، ادخل.
خلته ضبعا شرسا يجلس خلف الطاولة الكبيرة، وقد توزعت عليها السجلات والكراسات ومجسم للكرة الأرضية، ومقلمة أنيقة وعلب طباشير، وفنجان القهوة أمام المدير المشغول بتسريحة شعره.
ولأبعد الخوف والاضطراب عني، بدأت أقرأ ما أحفظه من القرآن.
صوته قطع قراءتي:
– هل تعرف إعدادية البنات؟!!.
– نعم، نعم أستاذ، أعرفها.
ناولني ظرف رسالة تفوح منه رائحة عطر من عالم آخر ، لا يشبه عطر أبي.
وهو يحك مفرق شعره بخنصره قال بلهجة آمرة:
– أعط هذه الرسالة للمديرة، هل تعرفها؟!!.
– نعم أستاذ أعرفها جيدا، فمنذ أسبوع رأيتكما معا على باب المدرسة صباحا.
هز رأسه، وتابع:
– انتظرها حتى تعطيك الرد، مفهوم!!..
حمل الملح نزل عن صدري، لعنت الشيطان الذي وسوس لي بأن زميلي ” قاسم” قد وشى بي للمدير بأنني أتحارش ” جلنار”.
من أين تأتي هؤلاء المديرات بهذه العطور؟!.
لا بد أنها من الجنة، تمنيت لو أنها لم تنته من كتابة رد الرسالة لهذه اللحظة.
رغم أن الجو لم يكن حارا، فقد كان زرا قميصها مفتوحان، وكاد منقارا حمامتي صدرها يخترقان القميص، والأكثر دهشة وغرابة وإثارة، تلك التنورة الشفافة الهفهافة والتي بالكاد تستر ركبتيها.
يارب السموات والأرض، من أي طينة تخلق هكذا مديرات!!..
قبل أن تغلف الرسالة، أخرجت من محفظتها قلم أحمر الشفاه، ورسمت قلبي حب متعانقين، وبخت الرسالة بعطر ينعش صماصيم القلب، ثم حذرتني:
– إياك أن تفتحها في الطريق!.
ليتها تعلم بأنني لا أجرؤ على شمها، وليس على فتحها. فعندها هتلر المدير سيشوي نعمتي، ويسلخ جلدي.
مهد لي المدير طريقا كنت أحسبه وعرا، فغدا سأعترف لجلنار بحبي الشديد لها، لأقطع الطريق على قاسم وأشباهه، ولأريحه من مراقبته وغمزه لي.
فها هو هتلر بجلاله وقدره يحب ويعشق دون رادع أو إحراج.
ليس هذا فحسب، فسأطلب علبة عطر وقلم حمرة للشفاه من أختي الكبرى المتزوجة حديثا، لأقدمهما هدية لجلناري الحبيبة، وليس مهما فارق العمر بيننا، فأنا لست مستعجلا على الزواج، ولا بأس أن ننتظر بضع سنوات لأصبح بعمر أبي مثلا.
ضحكت أختي كثيرا، واعتبرت ما قلته لها ليس إلا طرفة أو مزاحا، لكنها رضخت أخيرا، ولبت طلبي.
في الصباح كنت أنتظر بشوق كبير جلنار على باب المدرسة.
طال انتظاري، ولم تحضر، شعرت أن قلبي انشطر قسمين.
مر من أمامي قاسم وهو يبتسم، ويرمز بعينه اليسرى، وكأنه يعرف ما أفكر به:
– ألم تدر يا مسعود؟!!.
نظرت إليه بانكسار:
– (أومأت له برأسي)، لا …
قال، وهو ينكش منخاره بسبابته:
– أعرف أنك تنتظر جلنار، لكن لا تتعب نفسك بعد اليوم.
فغرت فاهي:
– ما الأمر يا قاسم؟!.
– جلنار انخطبت ليلة أمس.
اللعنة عليك يا قاسم، وعلى كل هتلر في العالم.

محمد فتحي المقداد: اليويو

محمد فتحي المقداد: اليويو

زي بوست: قصة قصيرة

يالطفولة لم أعشها..!! خُلقت هكذا لا أدري على وجه الدّقة؛ ما هي أوّل كلمة نطقتُها؛ لكن من خلال إحساسي العميق: “ماما.. بابا”، حالة نسيان رهيب استفقتُ منها في الصفّ الأوّل على المُعلّم وكتاب القراءة، من جديد.. استعدتُ ذاكرتي لأكتب أوّل كلمة في حياتي: “ماما.. بابا”.
لم يكن عندي كيس أو كرتونة للألعاب مليئة بالألعاب المختلفة؛ لأحتار بأيّ منها ألهو، أو أُحطّم أكثرها في حالة غضب ممزوجة بالملل السّريع منها، درّاجة ذات الثلاثة دواليب بمقعدها الخشبيً القاسي، لونها الأحمر شوّه ذاكرتي، ووَسَمها تشاؤمًا منها، وأضاع عليّ متعة مُراقبة قوس قُزح، ومحاولة قيادتي لها الفاشلة بين الأحجار الناتئة كرؤوس الشّياطين في ساحة بيتنا الترابيّة، وخارج البيت الأزقّة والطّرق لم تكن مُعبّدة بالزّفت الأسود بتوقيت بُصرى آنذاك.
إلى الآن لم أُدرك ميلي الشديد لعود الثقّاب برأسه الأحمر المُدبّب الصّغير؛ المُغري بإشعال الحرائق للورق ومخلّفات الأشياء. تخويف شديد من النّار بألسنتها التي لا ترحم. وانتهت صلاة عيد الأضحى لأدخل في حالة بُكاء وفقدان حذائي البلاستيكيّ بلونه الأحمر.. يا لتعاستي.. البِشرُ يرسم خطوط على وجوههم، وهم خارجون من بُوابة الجامع، عبارات متبادلة بالتهاني والأمنيات، ودموعي لم تتوقّّف، تُعاند حيرتي الحزينة، وأنا أبحث مع بعض الذين يكبرونني بسنوات، كنتُ جازمًا أن لا طفل آخر في القرية كلّها يمتلكُ هذا اللّون؛ لأنّ أبي أحضره من الشّام على حدّ زعمي. وصلتُ البيت حافيًا خائبًا من يومها فقدتُ إحساس فرحة في العيد.
نوبة شرودي بعيدة في مجاهل طفولة بعيدة من هنا بمسافة نصف قرن، ضجيج الأولاد ومناكفاتهم المُتأجّجة على مدار السّاعة، حُرموا كما حُرمت الخروج من البيت، التزامًا بالحظر المفروض علينا خوفًا من الوباء كورونا الخطير.
أنا في وادٍ آخر أخذني طوفانه الرّبيعيّ في مثل هذه الأيّام التي أعيشها الآن داخل البيْت، اجترار القديم المُحبّب إليّ. خجلي يمنعني من الكلام مع أبنائي؛ لاستغرابهم..!! كلّما يسألونني عن صغري، وضحكاتهم الواخزة قلبي على حرمان معظم أبناء جيل ذاك الوقت، وما بعده من رفاهيّة امتلاك الألعاب الغالية.
الوقتُ يمرّ بطيئًا.. ديمومة الموبايل بين يديّ ملّلتني. كثرة البحلقة في شاشته أتعبت عينيّ، أعود للكتاب، والتلفزيون، ومداعبة الأولاد اللّاهين في مشاريعهم اللامتناهية، وابتعادهم عن عالمنا في البيت.
أغرتني لعبة جديدة للمرّة الأولى في حياتي تقع بين يديّ، سمعتُ كثيرًا في سنوات سابقة كلمة (اليويو) تتردّد على ألسنة الأولاد. فُقداني رغبة السّؤال عنها ظنًّا منّي، وما هذا الشيء الذي سأضيفه لموسوعة معارفي؟. غرابة الاسم أشعرتني يومها بتفاهته.
اليوم غيّرتُ رأيي عندما عثرت قدمي بخيط غليظ، مربوط ببكرة كادت أن تُسقطني أرضًا، والنتيجة معلومة سلفًا على الأقلّ رضّ السّاق، أو الكتف، وملازمة الفراش، والمُداومة على المُسكّنات ؛لإسكات الآلام المُبرحة المانعة من النّوم ليلًا، والرّاحة وحريّة الحركة نهارًا.
صراخي ملأ البيت، مما أخرَجَ الأولاد من عوالم انسجامهم مع ألعابهم المُحبّبة إليهم، عدا لعبة (ببجي)، التي أجبرت ابني على حذفها قسرًا، ومنعته من تنزيلها ثانية، إلى أن أخبرني بأنّه سيبيعها بمبلغ معقول سيساعدني به؛ لتجاوز عقبة مصروف العائلة المُثقل لي فترة توقّفي عن العمل، دهشتي مما أخبرني به أزالت غضبي من (اليويو).
بدأت أولى تجاربي عليه، إغراء غير طبيعيّ، ساعات أمضيتُها بعدما أتقنتُ فنّها؛ بتوازن ارتفاع اليد مع اهتزازاتها؛ كموج البحر الخفيف المتوّتر، مما يُسرّع حركة دوران دولاب اليويو الجميل. ضاعت سُخرية زوجتي إهمالًا مع انسجامي التامّ، مثل ذاك اليوم قبل نهاية الألفيّة الثانية بشرائي لعبة (الأتاري)؛ عند عودتي من (أبو ظبي) بإجازة الصّيف.
ساعات طويلة أجلسُ اللّعب ببرنامج الطّائرات بمراحله العديدة بمستوياتها، مرّات قليلة وصلت فيه للنهائي. انسجامي لفت انتباهها، جلَستْ للمرّة الأولى تُراقبني، رغبة التّجريب بإلحاح قادتها لمُجالستي ساعات، نسيت تساؤلاتها قبل ذلك:
-“لماذا اشتريتها..!! لسنا بحاجة لها.. عندنا أوليّات غيرها؟”.
-“من أجل الصبيّ..!! ابننا الوحيد آنذاك”.
-“مازال صغيرًا لا يُدرك معنى اللّعبة، ولا يستطيع التعامل معها، لو أجّلتها حتّى يكبُر قليلًا..!!”.
-“ها نحن نلعبُ بها.. وعندما يكبُر نعطيها له”.
مهارة اللّعب بالأصابع، بداية كانت على تمرين الوُسطى؛ لتجاوز ألم خفيف في مفصلها يمنعني من طيّها للآخر. منذ ذاك اليوم عندما أشرتُ بحركتها المفهومة تلك لأمر ما..!!، جلستُ مُستندًا للجدار، تداخلت أصابع الكّفيْن بتشابك، وتدوير الإبهاميْن بحركة لولبيّة للأمام تارة، وتبديلها معاكسة للخلف، جعلتني أتذكّر زميلي الطّالب في الصفّ التّاسع، وهو يقف أمام الطلّاب بانتظار فراغ الأستاذ من الاستماع لإجابات من حفظوا الدّرس.
انبته الأستاذ لحركة أصابعه المماثلة لي الآن، وسأله:
-“ألا تعرف غير هذه..!!؟”.
السّؤال خفّف من توتّره؛ ظنًّا منه بنجاته من العقاب الجسديّ؛ لتقصيره في واجبه، فأجاب بجديّة:
-“نعم أستاذ، أعرفُ أيضًا بهذا الشّكل”.
وبدأ بلفّ إبهاميْه عكس الحركة الأولى. كتمنا ضحكنا، ومازال مكتومًا في صدري إلى الآن؛ فالعصا بيد الأستاذ لا ترحم، لمن يخرج عن مسار الدّرس، أو يُحاول.
إزهاق الوقت مُهمّة عملٌ شاقّ؛ صعّبت عليّ تعبئة وقتي بأشياء جديدة، جرّبتُ وجرّبتُ، راودتني لعبة (البَبْجي)، وما سمعتُ عنها، موقفي الجازم من ابني حازم، ومنعه منها؛ أخذني للتفكير بتجريب اللّعب فيها بعد نومهم، لكنّني أستسلم للنّوم بلا مُقاومة، وهم مازالوا يقظين. وفي النّهار لا يذهبون إلى المدارس، وصاروا مثل الأجانب يتعلّمون عن بُعد.

عمّان – الأردنّ
23 \4 \ 2020

ريّان علّوش: الناحس والمنحوس

ريّان علّوش: الناحس والمنحوس

زي بوست:

ذلك البيت المهجور لم يكن كذلك على الدوام، فقد كان فيما مضى عامرا بأهله.

أهله هم أهلي، هكذا يفترض، كون من كان يقطنه عمي أبو رمزي، رمزي الملاك هكذا كانوا يلقبونه أهل القرية لشدة وسامته.

في المدرسة كان مدرسنا من أطلق عليَّ لقب خضور أبو ريحة، والذي بات لقبي الوحيد الذي أكنى به، وبقدر ما كان يشيد برمزي بقدر ما كان يقرعني نتيجة علاماتي المتدنية، والرائحة الصادرة مني، التي كانت سببا في طردي من الصف عدة مرات.

والدتي توفيت أثناء ولادتي بسبب كبر راسي، الأمر الذي أدى إلى اختفاء والدي حزنا عليها، هكذا قال لي جدي، ولهذا كان أهل القرية يعتبرونني نحسا على القرية، وعليهم تجنبي، لم يكن جدي منصفا فما زلت أذكر الطابة الملونة التي جلبها لرمزي حتى الآن، والتي كانت سببا بقضمي لأظافري، وكان قضم أظافري سببا إضافيا للمزيد من التقريع من قبل مدرسي، وحده رمزي لم يكن يشعر بالفارق بينه وبيني، كان يعتبرني صديقه العزيز والوحيد
مع اقترابنا من العاشرة كنت أبدو كظله عندما تكون الشمس في كبد السماء، ولذلك كنت أبتعد عن التواجد معه في الأماكن العامة، فنظرات أهل القرية لا ترحم خصوصا النسوة الحوامل واللواتي كن يقرصن بطونهن بيد، ويمسدن شعره بيد أخرى، بينما كن يشحن النظر عني بقرف عندما تقع عيونهن علي.

في ظهيرة ذلك اليوم أحضر رمزي كرته فأقنعته بأننا لو نذهب إلى جانب جب أبو سامح فسيكون اللعب أمتع،
كان رمزي يسبقني بعشرات الأمتار عندما انطلقنا، فالكساح كان يعيقني عن مجاراته.

لم تكن دقة إصابتي للهدف يوما كما كانت عليها في ذلك اليوم، فبعد عدة ركلات باتت الكرة في قاع البير، فقلت له على الفور: كما ترى ساقاي القصيرتان لن تساعداني على النزول، فأجاب بلا تردد: لا تهتم سأحضرها حالا.

ما زال صوت ارتطامه في أسفل البير يطن في أذني حتى الآن، عندما وضعه رجال القرية في ساحة المنزل كان جثة هامدة فهرعت إلى الإسطبل، وأخذت أرقب المشهد.

نساء القرية تحلقن حوله، وبدأن بالنحيب ثم بتمزيق ثيابهن، كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها الأثداء، كان صوت نحيب الرجال لا يقل عن نحيب نسائهم، حتى المختار لم يستطع تمالك نفسه فبدا منظره مضحكا.

قلب عمي لم يستطع احتمال فراق ولده الوحيد، فغدت الجنازة جنازتان
بعد وفاة جدي ونزوح زوجة عمي بت أنا سيد المنزل.

أنا الآن في غرفة رمزي، وأصبح كل ما فيها ملكي، أشتاقه أحيانا، لكن غيابه كان لا بد منه.

عبد القادر حمود: لعلها ذكريات أو أنها….

عبد القادر حمود: لعلها ذكريات أو أنها….

زي بوست:

لا أعرف هل هي جزء من الأسطورة أم أنها مجرَّد ذكرى في أفق يعجُّ بالضجيج والأسئلة، ولعلَّها فسحةُ حَنينٍ أيقظها الغيابُ في سانحة ارتسمتْ خلال أسئلة الواقع…
لنتوقَّف قليلاً، ولنضبط ساعاتنا على اللحظة، ثم نبدأ رحلة نحو الأعماق، نحو هدف أحاط به الضباب وأخذ من معالمه أشياء وأشياء، ربما احتجنا لأكثر من عشرة خطوات لوراء، اثنتي عشرة خطوة تقريباً، مدة الخطوة سنة كاملة، وفي نهاية الأمر سأجدُ نفسي في المكتب الذي كنتُ أعمل به هناك في أحد الشوارع الفرعية في حيٍّ حلبيٍّ معروف (شارع سدّ اللّوز/ حي الشعاّر)، وستكون معي في المكتب على الكرسي المقابل طفلة حول العاشرة أبرزُ ما فيها وباختصار شديد أنها هادئة الصفات، اسمها (رهام)، وكان مشروعنا لذلك اليوم محاولة كتابة قصّة متكاملة (للأطفال)، وبالطبع كان ذلك ضمن مشروع أكبر الأمل منه تنمية موهبة الطّفلة ريثما يشتدُّ عودها بعد أن أثبتت أنّها تمتلك بذرة موهبة واعدة في مجال القصّة القصيرة (تحديداً قصّة الطّفل للطّفل)..
وكان الاقتراح أن أختار لها موضوعاً مجرَّداً لتبدأ المحاولة، وكان الاختيار موضوع (الغرور)، ولكي لا تقع الطفلة تحت ضغط ما، طلبتُ منها أن نبدأ العمل فيما يشبه اللّعب أو التسلية، فهي ستأخذ مكانها في المكتب المقابل وتبدأ عملها دون أيّ تدخّلٍ مني، وخلال ذلك سأحاول كتابة قصة ضمن الإطار نفسه، وسأتقبل رأيها فيما كتبتُ كما كانت تتقبل رأيي فيما تكتب، وفي نهاية الأمر كانت محاولتان قصصيّتان، أولاهما (الغرور مقبرة النجاح) لرهام تلميذة الصف الخامس، وثانيتهما (الجبل المغرور والشمس) لكاتب هذه الكلمات، ولقد أعطيت رأيي فيما نتج قبل أكثر من عقد من الزمن مانحاً درجة جيّد جداً للقصة الأجمل، وغادرت الطفلة ذات الصفات الهادئة فرحة يما حققتْ، ولقد احتفظتُ بمسودة قصتها كم احتفظتُ بمسودة قصتي بين مسودات وأوراق شتّى، ولم أكن أعلم أنها ستصبح (لسبب ما) بعض أشيائي الغالية…
وكان أن بدأتْ رحلةُ الغياب (لا أعرف هل هي رحلة لي وحدي أم لكلينا)، لقد غادرتُ المدينة في منتصف السنة الثانية لثورة الكرامة (منتصف سنة 2012م)، وضاعتْ خلالَ ذلك عناوينَ وذكرياتٍ وصورٍ كثيرةٍ، والذي سَلِمَ من الضَّياع استكانَ لزاويةٍ ربَّما كانتْ نائيةٍ متجنباً زحمةَ الأحداث وتسارعَ الخطوات…
وعلى كل حال فأنا لا أعرف أيَّ شيءٍ عن الطِّفلةِ الآن بعد فشلي بالاتصال بها أو بأسرتها نتيجة أحداثٍ وأحداثٍ ومسافات مختلفة ضيّعت العناوين قبل أن تضيّع أشياء كثيرة…
لم يبقَ منها إلا بعض قصصها التي تحدَّت الغياب وبقيت طازجة الرائحة واللَّون، محملَّةً بالكثير الكثير من الذكريات التي مازالتْ ترفرف خلال حروفها وكلماتها والتراكيب المختلفة، ولعلَّ مُسَوَّدَتَيْ قصَّتينا: (الغرور مقبرة النجاح/ الجبل المغرور والشمس) أبرز ما بقي معي منها، فقد أعادتاني إلى زمن ما، مكان ما، حدث ما، ولا أجد ما أقوله أكثر من ذلك…
فهل كانت ذكريات أم أنها…
***

• الغرور مقبرة النجاح
• رهام عبد المجيد
***
قرَّرتْ إحدى المدارس تكريم المتفوِّقين في منتصف العام الدراسي، وكانت (رانيا) و(ديمة) من المتفوقين، فكرَّمَتِ المدرسةُ رانيا لكنَّ ديمة لم تكرَّمْ لأنَّ علاماتها في الامتحان ليست جيدة فقد مرضت والدتها وكان عليها أن تساعدها..
لقد حزنت ديمة، أمّا رانيا فقد تسرَّب الغرور إلى نفسها حتى (طال السماء)، فانزعج جميع التلاميذ منها ومن غرورها، ولم تعد تدرس لظنّنها بأنه إن استطاعت النجاح في الامتحان النصفي فلا حاجة للدراسة بعد ذلك…
أما ديمة فقد استمرت بالدراسة والتحضير الجيّد وعندما اقترب الامتحان النهائي لم تكن رانيا تدرس بسبب غرورها أما ديمة فقد درست جيّداً، وعندما حان موعد تسليم (الجلاءات) كانت ديمة ناجحة بدرجة ممتاز، وكرَّمتها إدارة المدرسة أما رانيا فكانتْ ناجحة ولكن بدرجة جيّد، ففرحتْ ديمة كثيراً أما رانيا فاعتذرت وقالت (لن أعود للغرور مرة أخرى)…
***

• الجبل المغرور والشمس
• عبد القادر حمّود
***
كان الجبلُ يقفُ بقامته المنتصبة، وحجمِهِ الضَّخمِ جدّاً، تنمو فوق سفوحه الأشجار، وتتساقط الثلوج فوق قمته في فصل الشتاء..
نظرت الشمس إليه ذات صباح وقالت: (ما أجمل قبَّعتك البيضاء وثيابك الخضراء أيها الجبل!!)..
نفخ الجبل كرشه الضخم وشمخ برأسه ونظر باستهتار نحو الشَّمس ثمَّ قال: (وما شأنكِ بثلجي، بأشجاري، هي ملكي ولا يحقُّ لكِ النظر إليها؟!)..
استاءت الشمسُ من هذا الكلام وصرخت: (بل هي ملكٌ للجميع، ويحقُّ للبشر جميعاً وللحيوانات وللحشرات وللأشياء كلّها التمتّع بالثلوج والأشجار)…
صرخ الجبل: (أنت مجنونة، حمقاء، من يقترب منّي سأحطم رأسهُ بصخوري هذه)…
صمتت الشمس قليلاً، ثمَّ ابتسمت وقالت: (إذن سأريك ما سأفعل بقبعتك)…
ويقيت الشمس بعد ذلك مشرقة ترسلُ أشعتها الدافئة طوال الربيع، فذابت الثلوج وأصبح رأس الجبل عارياً، وعندئذٍ صرخ الجبل: (أيتها الشمس، أرجوك خففي حرارتك فقد حرقتْ رأسي وكادتْ أشجاري تموت عطشاً)…
وقالت: (سأميتها لأنك مغرور ومتكبر)…
وقال: (أرجوك لا تفعلي، وإني أعدكَ أن لا أعود لغروري وسأسمح لجميع المخلوقات بالتمتع والاستفادة من الأِشجار ومن كلِّ ما أملك)…
ضحكت الشَّمس وهي تهمسُ قائلةً: (الآن أصبحتَ تستأهلُ هذا الجمال وسأعيدُ لك قبّعتك البيضاء مكافأةً منّي لك، إنَّما في الشتاء القادم)..
قالتْ ذلك واقتربتْ منه فاحتضنها، وغابتْ خلف قمَّته، وما إن عاد الشتاء حتى اختفتِ الشمس ولم تَعُدْ تظهرُ إلا قليلاً، بينما بدأتِ الثلوجُ تكسو قمَّةَ الجَبَلِ من جديد..
***
حلب: عام 2008م

محمد فتحي المقداد: خطاب

محمد فتحي المقداد: خطاب

زي بوست:

ضجيج حركات الممثّلين يملأ الصّالة. الجميع مُنهمكٌ بترتيب أدواته.. ممثلة هناك خرجت من خلف الكواليس تعتني بنفسها، تراجع صورة ماكياجها، وتسريحة شعرها الأنيقة أمام مرآة مركونة في الزّاوية لهذا القصد.
ممثّل شابّ.. يروح جيئة وذهابًا، صوته يخالط الأصوات بعناد؛ لتثبيت حفظ دوره المُكلّف به. حركة دؤوبة مشغولة بنشاطها في مختلف أقسام دار الأوبرا.
المُخرج مُنهمك بتقليب أوراقه، وإعادة ترتيبها حسب الأدوار المرسومة في ذهنه.
عامل الإكسسوارات، ثبّت ميكروفونًا من أجل الافتتاح، ابتداءً بكلمة المسؤول الكبير راعي الاحتفال.
***

وقف الجميع مُتخشّبين كالأصنام، أجسامهم مشدودة، رؤوسهم ثابتة بلا أدنى حركة، عيونهم جامدة، أيديهم مُسبلة بهيئة الاستعداد، كاميرا النقل التلفزيونيّ غير معنيّة بالالتزام بمهابة الموقف، عدستها تُسجّل جمود الوجوه بصرامة اللّحظة التاريخيّة الفارقة.
الأكُفّ تلتهب احمرارًا من تصفيقها الحادّ مع انتهاء موسيقى النشيد الوطنيّ، المقاعدُ من جديد مُثقلة بالأجسام بعد جلوسها.
عريف الحفل أرغى، وأزبد إيغالًا بالتّرحيب بالضيف، ثمّ دعاه لاعتلاء المنصّة.
المسؤول ارتجل خطابًا طويلًا استعرض مسيرته وإنجازاته.. والتصفيق لم يترك له مجالًا لمتابعة كلامه متواصلًا يهزّ جنبات الصّالة.
ودّع المستمعين بحركة من يده، خرج من المدخل الخلفيّ، ليفاجأ بالمتفرجّين ينتظرون طلعته البهيٍّة في السْاحة. أصواتهم المبحوحة لا تفتأ تِردادًا للشّعارات الرّائجة.
على مدار ساعة كاملة استغرق في الحالة انسجامًا بخيلائه وصولجانه. راقه منظر أعضاء الفرقة المسرحيّة يهتفون مع الجماهير، ويُصفّقون.
***

راقبتُ الاحتفاليّة من زاويتي عن بُعد، وتبدّل الموقف؛ لأنّني وللمرّة الأولى في حياتي أستعدّ بمثل هذه الجاهزيّة؛ كنتُ مأخوذًا بانتظار العرض المسرحيّ بشغف غير معهود، للتأثير الشديد للإعلانات اليوميّة عليّ.. وعلى مدار شهر كامل:
– (انتظروا العرض الكبير على مسرح القبّاني، لمسرحيّة تاجر البندقيّة) ، التي ما زالت ماثلة أحداثها في مخيّلتي منذ أيّام الصفّ العاشر، لأنّها كانت مُقرّرًا دراسيًّا.
مساء أضفتُ ملاحظة في دفتري:
– (الخطابات متاهات الجماهير، وألعوبة الزّعماء، لإقناعهم).
فراغ الصّالة أغرى صدى التصفيق والخطاب والهتافات، بالتغلغل حدّ المدى تزاحمًا على احتلال زواياها.