رانيا يوسف: كانت رسالة الله قاسية

رانيا يوسف: كانت رسالة الله قاسية

زي بوست:

في ذلك اليوم الذي لم ندرك فيه أن تلك الإشارة ستتحقق في وضح شمس يومٍ ببرودة حديد بعد عقود من الزمن.
لازال ذلك المشهد قريباً في الذاكرة
حين صرخت أمه أمام النهر الأسود الحدودي الفاصل بين ربيعنا وزمهريرهم.

صرخت باسمه معتقدة أنه يغرق ومتأكدةً أن صوتها سيكون طوق نجاته.
كانت ستتحول رحلتنا الصيفية لغيمة سوداء عاقر لولا أن أطل “م” من ورائها مغشياً من الضحك.
ولولا أن النهر اكتفى بابتلاع كيسٍ أسودَ ليس إلاّ.

بقينا لسنوات نقص تلك الأحدوثة ونقهقه عالياً فرحاً بكل شيء
“فقد كان كيساً أسود و لم تكن أنت الغريق”
لكن رسالة الله القاسية أرجئت فقط سنوات عشرين ليختفي “م”
ليس غرقاً
ولا أي نوع اختفاء عرفناه
اختفاءٌ دون ملامح
كأنما بحرٌ قضم جزيرة بعد هجمة فلكية
يقيننا الوحيد هو أنه في زمهريرهم
نتبصر بين الفينة و الأخرى
علَّ أحدهم يأتينا بريحه
لنصدقه
نريد أن نصدقه
لكن و برفة عين يتبين لنا أنه يرتدي عباءة كذبة تجارية
نسرد أقصوصة اختفاء “م” مراراً
بينما نحن نشرع الأبواب والنوافذ على درفتيها
راجينَ أن يظهر ضاحكاً من ورائنا
“كما فعل عند النهر الأسود الحدودي الفاصل بين ربيعنا وزمهريرهم”
لا نلتفت بسرعة لئلا يفزع بل ربما لئلا نفزع نحن، نعطيه وقتاً كافياً ليرتب حضوره
ثم نلتفت، فلا نجد إلاّ ظلّنا
أيها ال “م”
لعلّك تسمع
لعلّك تقرأ
لعلّ الريح تحمل لك صوت أمك
تمسك به جيداً فهو مازال طوق نجاتك
انفض عنك كل قيودهم إن استطعت وتعال ضاحكاً مرة أُخرى لتخبرها أنك أنت رسالة الله الحقيقية

عبد القادر حمود: لعلها ذكريات أو أنها….

عبد القادر حمود: لعلها ذكريات أو أنها….

زي بوست:

لا أعرف هل هي جزء من الأسطورة أم أنها مجرَّد ذكرى في أفق يعجُّ بالضجيج والأسئلة، ولعلَّها فسحةُ حَنينٍ أيقظها الغيابُ في سانحة ارتسمتْ خلال أسئلة الواقع…
لنتوقَّف قليلاً، ولنضبط ساعاتنا على اللحظة، ثم نبدأ رحلة نحو الأعماق، نحو هدف أحاط به الضباب وأخذ من معالمه أشياء وأشياء، ربما احتجنا لأكثر من عشرة خطوات لوراء، اثنتي عشرة خطوة تقريباً، مدة الخطوة سنة كاملة، وفي نهاية الأمر سأجدُ نفسي في المكتب الذي كنتُ أعمل به هناك في أحد الشوارع الفرعية في حيٍّ حلبيٍّ معروف (شارع سدّ اللّوز/ حي الشعاّر)، وستكون معي في المكتب على الكرسي المقابل طفلة حول العاشرة أبرزُ ما فيها وباختصار شديد أنها هادئة الصفات، اسمها (رهام)، وكان مشروعنا لذلك اليوم محاولة كتابة قصّة متكاملة (للأطفال)، وبالطبع كان ذلك ضمن مشروع أكبر الأمل منه تنمية موهبة الطّفلة ريثما يشتدُّ عودها بعد أن أثبتت أنّها تمتلك بذرة موهبة واعدة في مجال القصّة القصيرة (تحديداً قصّة الطّفل للطّفل)..
وكان الاقتراح أن أختار لها موضوعاً مجرَّداً لتبدأ المحاولة، وكان الاختيار موضوع (الغرور)، ولكي لا تقع الطفلة تحت ضغط ما، طلبتُ منها أن نبدأ العمل فيما يشبه اللّعب أو التسلية، فهي ستأخذ مكانها في المكتب المقابل وتبدأ عملها دون أيّ تدخّلٍ مني، وخلال ذلك سأحاول كتابة قصة ضمن الإطار نفسه، وسأتقبل رأيها فيما كتبتُ كما كانت تتقبل رأيي فيما تكتب، وفي نهاية الأمر كانت محاولتان قصصيّتان، أولاهما (الغرور مقبرة النجاح) لرهام تلميذة الصف الخامس، وثانيتهما (الجبل المغرور والشمس) لكاتب هذه الكلمات، ولقد أعطيت رأيي فيما نتج قبل أكثر من عقد من الزمن مانحاً درجة جيّد جداً للقصة الأجمل، وغادرت الطفلة ذات الصفات الهادئة فرحة يما حققتْ، ولقد احتفظتُ بمسودة قصتها كم احتفظتُ بمسودة قصتي بين مسودات وأوراق شتّى، ولم أكن أعلم أنها ستصبح (لسبب ما) بعض أشيائي الغالية…
وكان أن بدأتْ رحلةُ الغياب (لا أعرف هل هي رحلة لي وحدي أم لكلينا)، لقد غادرتُ المدينة في منتصف السنة الثانية لثورة الكرامة (منتصف سنة 2012م)، وضاعتْ خلالَ ذلك عناوينَ وذكرياتٍ وصورٍ كثيرةٍ، والذي سَلِمَ من الضَّياع استكانَ لزاويةٍ ربَّما كانتْ نائيةٍ متجنباً زحمةَ الأحداث وتسارعَ الخطوات…
وعلى كل حال فأنا لا أعرف أيَّ شيءٍ عن الطِّفلةِ الآن بعد فشلي بالاتصال بها أو بأسرتها نتيجة أحداثٍ وأحداثٍ ومسافات مختلفة ضيّعت العناوين قبل أن تضيّع أشياء كثيرة…
لم يبقَ منها إلا بعض قصصها التي تحدَّت الغياب وبقيت طازجة الرائحة واللَّون، محملَّةً بالكثير الكثير من الذكريات التي مازالتْ ترفرف خلال حروفها وكلماتها والتراكيب المختلفة، ولعلَّ مُسَوَّدَتَيْ قصَّتينا: (الغرور مقبرة النجاح/ الجبل المغرور والشمس) أبرز ما بقي معي منها، فقد أعادتاني إلى زمن ما، مكان ما، حدث ما، ولا أجد ما أقوله أكثر من ذلك…
فهل كانت ذكريات أم أنها…
***

• الغرور مقبرة النجاح
• رهام عبد المجيد
***
قرَّرتْ إحدى المدارس تكريم المتفوِّقين في منتصف العام الدراسي، وكانت (رانيا) و(ديمة) من المتفوقين، فكرَّمَتِ المدرسةُ رانيا لكنَّ ديمة لم تكرَّمْ لأنَّ علاماتها في الامتحان ليست جيدة فقد مرضت والدتها وكان عليها أن تساعدها..
لقد حزنت ديمة، أمّا رانيا فقد تسرَّب الغرور إلى نفسها حتى (طال السماء)، فانزعج جميع التلاميذ منها ومن غرورها، ولم تعد تدرس لظنّنها بأنه إن استطاعت النجاح في الامتحان النصفي فلا حاجة للدراسة بعد ذلك…
أما ديمة فقد استمرت بالدراسة والتحضير الجيّد وعندما اقترب الامتحان النهائي لم تكن رانيا تدرس بسبب غرورها أما ديمة فقد درست جيّداً، وعندما حان موعد تسليم (الجلاءات) كانت ديمة ناجحة بدرجة ممتاز، وكرَّمتها إدارة المدرسة أما رانيا فكانتْ ناجحة ولكن بدرجة جيّد، ففرحتْ ديمة كثيراً أما رانيا فاعتذرت وقالت (لن أعود للغرور مرة أخرى)…
***

• الجبل المغرور والشمس
• عبد القادر حمّود
***
كان الجبلُ يقفُ بقامته المنتصبة، وحجمِهِ الضَّخمِ جدّاً، تنمو فوق سفوحه الأشجار، وتتساقط الثلوج فوق قمته في فصل الشتاء..
نظرت الشمس إليه ذات صباح وقالت: (ما أجمل قبَّعتك البيضاء وثيابك الخضراء أيها الجبل!!)..
نفخ الجبل كرشه الضخم وشمخ برأسه ونظر باستهتار نحو الشَّمس ثمَّ قال: (وما شأنكِ بثلجي، بأشجاري، هي ملكي ولا يحقُّ لكِ النظر إليها؟!)..
استاءت الشمسُ من هذا الكلام وصرخت: (بل هي ملكٌ للجميع، ويحقُّ للبشر جميعاً وللحيوانات وللحشرات وللأشياء كلّها التمتّع بالثلوج والأشجار)…
صرخ الجبل: (أنت مجنونة، حمقاء، من يقترب منّي سأحطم رأسهُ بصخوري هذه)…
صمتت الشمس قليلاً، ثمَّ ابتسمت وقالت: (إذن سأريك ما سأفعل بقبعتك)…
ويقيت الشمس بعد ذلك مشرقة ترسلُ أشعتها الدافئة طوال الربيع، فذابت الثلوج وأصبح رأس الجبل عارياً، وعندئذٍ صرخ الجبل: (أيتها الشمس، أرجوك خففي حرارتك فقد حرقتْ رأسي وكادتْ أشجاري تموت عطشاً)…
وقالت: (سأميتها لأنك مغرور ومتكبر)…
وقال: (أرجوك لا تفعلي، وإني أعدكَ أن لا أعود لغروري وسأسمح لجميع المخلوقات بالتمتع والاستفادة من الأِشجار ومن كلِّ ما أملك)…
ضحكت الشَّمس وهي تهمسُ قائلةً: (الآن أصبحتَ تستأهلُ هذا الجمال وسأعيدُ لك قبّعتك البيضاء مكافأةً منّي لك، إنَّما في الشتاء القادم)..
قالتْ ذلك واقتربتْ منه فاحتضنها، وغابتْ خلف قمَّته، وما إن عاد الشتاء حتى اختفتِ الشمس ولم تَعُدْ تظهرُ إلا قليلاً، بينما بدأتِ الثلوجُ تكسو قمَّةَ الجَبَلِ من جديد..
***
حلب: عام 2008م

إبراهيم شاهين: مونولوج

إبراهيم شاهين: مونولوج

زي بوست:

– بتجبلي هالغرضين معك من السوبر ماركت؟
– تكرم عيونِك ..
أعطتني الجارة ظرفاً وضعته في جيبي ، كما توقعت فيه نقود ومع النقود قائمة من 17 بند ..
أزعجني أكثر ما أزعجني كلمة هالغرضين، وبينما أملأ العربة بالغرضين، بدأ مونولوج حاد وغاضب مع نفسي، انتهى المونولوج إلى أنها ربما لا تقصد تمامًا خداعي واستغلالي، أزعجني أكثر شيء بالغرضين البند الأخير ( باقة ورد بحدود 2-3€)
حملت الأكياس و سرت باتجاه البيت، كنت حريصًا على الورد، خشيت عليه من التلف.
– شكراً جزيلاً.. قالتها وهي تتفقد الفاتورة مع تتمة النقود التي أعدتها لها.
صعدت الدرج المؤدي إلى بيتي وأنا أتمتم بكلام حتى أنا لم أفهمه لكنه غاضب.
دخلت البيت، بدأتُ بتسخين الماء للمتة، رن جرس الباب، جارتي تقف بالباب، فتحت الباب فمدّت يدها بباقة الورد التي أحضُرتها لها منذ قليل:
‏”Mein lieber Nachbar, akzeptierst du das von mir?
“جاري العزيز هل تقبل هذه مني ؟
أربكتني و أسكتت عواصف المونولوجات في داخلي .
أخذتُ منها الباقة وقلت لها: هل تقبلين دعوتي لتجريب شراب المتّة؟

دينا عاصم: غزل عفيف عابر للبحيرات

دينا عاصم: غزل عفيف عابر للبحيرات

زي بوست:

خلي بالك من زوزو.. وخلي بالك من دودو…الراجل اللي نسي السؤال….انت جميلة..والنبي انت اللي قمر…غزل عفيف عابر للبحيرات..

كنت بدأت عملي في السادسة تماما..صليت الفجر ونزلت سريعا لأصل حوالي السادسة بالقرب من جراج ماسبيرو…وحين انتهيت نحو الثانية والنصف…توجهت للساحة التي تركت فيها سيارتي…كان المطر غزيرا جدا..ولكني احب المطر لذا فقد تمشيت الهوينى والناس حولي.على ندرتهم ينظرون لي.باستغراب…فهم يهرولون ويحاولون الاحتماء بأي شيء من المطر وانا امشي في منتصف الشارع رافعة وجهي قبالة السماء التي جادت علينا بهذا الخير….ركبت السيارة وانا أتأمل المنظر من الزجاج الذي يستقبل المطر بأصوات تشبه فرقعة وليس مجرد زخات عادية…شغلت.مساحات الزجاج وانا أشعر أنني في قلب مغامرة غامضة…فجأة داهمني وجه من الزجاج المجاور لي…وجه رجل …فزعت بشدة
هو: ارجوك يا بنتي توصليني معك لأقرب مكان..ارجوك..
لم يكن هناك بالفعل سيارة غير سيارتي والمطر شديد جدا..لكنه رجل غريب…ما ادراني به والشوارع تكاد تخلو من المارة….صحيح هو كبير السن ولكن،،!
انا: معلش يا عمو والنبي مش هينفع…انا اسفة سامحني
هو: ارجوكي..متخافيش… انا قيس عبدالفتاح الفنان المعروف…
لفتني الاسم.. فعاودت ودققت النظر في وجهه…كان يضع (كابيشون) على رأسه يغطي نصف وجهه فرفع الكابيشون وفجأة ترامت لمخيلتي صورته في فيلم (خلي بالك من زوزو) يا إلهي انا أحفظ كل أفلامها بكل ممثلين الفيلم الصف الأول والثاني وحتى الكومبارس اتذكرهم بكل جملة قالوها..انه هو هذا الشاب الذي وقف منذ خمسة وأربعين عاما ليسأل حسين فهمي سؤالا ونسيه فجأة فضحك الطلبة… فتحت زجاج السيارة وقلت له..يا خبر..اتفضل..اتفضل ..وفتحت اللوك الخاص بالسيارة…ركب الرجل بجانبي شاكرا وهو يرتعد …
هو: اعلم انك لن تتذكريني ولكني فنان قديم …خريج معهد السينما عام ٦٦
انا: بلى يا عمو انا اعرفك.جيدا لقد وقفت لتسال سعيد سؤالا ولكنك نسيته
هو: سعيد؟
انا: نعم حسين فهمي في خلي بالك من زوزو كان اسمه سعيد
وهنا اشرق وجه الرجل بسعادة بالغة..لقد عرفته امرأة بينها وبينه أجيال وتذكرت جملته الوحيدة…
قال لي بفخر: برافو عليك…ولكني قدمت الكثير من الأدوار فقلت ضاحكة: حضرتك جيت في منطقتي..سعاد حسني…أحفظ كل أفلامها بتفاصيلها واعشق.الابيض والأسود واعرفك جيدا
هو: تعرفي يا…ما اسمك
انا: دينا…
هو: زينة؟؟
انا: دينا يا عمو دينااا…
هو: هل تغير شكلي مع الزمن كثيرا يا زينة؟
باغتني السؤال وشعرت بحنو شديد واشفاق على وسامة فربت شمسها..فقلت له سريعا: لالالا يا عمو لقد تعرفت اليك فورا اشكرك لم يتغير ولكن الزجاج والمطر في البداية لم انتبه..واسمي ديناااا
هو: تعرفي يا دينا انا دفعة محمد جابر..تعرفيه
انا: نعم طبعا…نور الشريف..
نظر لي الرجل وهو مبهور تماما بمعلوماتي السينمائية…وفجأة نظر للطريق فإذا بنا ننزل في بحيرة (النفق بجوار ماسبيرو على الكورنيش) كانت الأمطار سيولا والشوارع غارقة ووصلت المياه لباب السيارة
هو: حاسبي يا دينا…حاسبي يابنتي..ثم بدأ يقرأ آيات قرآنية وقد تملكه الخوف من منظر المياه والسيارات تكاد تغرق وانا معهم..والرجل صوته يعلو بآيات القران
انا: متخافش …متخافش،يا عمو والله ان شاءالله خير
هو حضرتك رايح فين
هو: حانزل قدام شوية على اي رصيف
لم يكن هناك ثمة رصيف فالمياه تملأ الشوارع وهذا الرجل كيف يقف في سنه تلك والشوارع خالية تقريبا ولا يوجد تاكسيات…
انا: حضرتك ساكن فين
هو: جاردن سيتي ..وانت؟
انا: مدينة نصر…ولكن جاردن سيتي هنا جنب التحرير وساوصلك
هو: لالا لا مستحيل مشوارك بعيد يابنتي
انا: شوف حضرتك مستحيل اسيبك في الجو ده ومفيش تاكسيات هتقف والشوارع بحيرات ومش هينفع.تمشي لحد جاردن سيتي
هو: انت جميلة يا دينا بس ده كتير اوي
انا: لا والله أبدا مش كتير حضرتك أثريت الحياة الفنية وهذا اقل شيء نقدمه…(كانت فرصتي لأسعده)
هو: انا كنت رايح اسجل مسلسل إذاعي اسمه من الجاني ونزلت كان المطر اشتد
انا: ولا يهمك…انا مبسوطة جدا …اصلي باعشق سعاد حسني وفيه ناس بيقولوا اني لما بازعل بابقى شبهها
هو: خلاص يبقى لازم نخلي بالنا من دودو …ضحكت لهذا الرجل الجميل الباذخ الطيبة وهو شعر بالالفة فضحك وبدا يسترخي قليلا فقد كان متوترا من شدة المطر ووعورة الطريق..
كنا نمشي ببطىء،شديد نتيجة غزارة المياه وصولها للسيارة وكانت فرصتي.. فها انا وجها لوجه امام احد من شاركوا سعاد حسني أعمالها الفنية في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي…
ساقني الله لهذا الرجل الجميل وربما اية امراة غيري لم تكن لتعرفه وكانت ستتردد كثيرا وغالبا لن تقبل أن يركب معها السيارة برغم سنه الكبيرة ولكني عرفته حين دققت النظر في ملامحه ذات الجمال الغابر والتي احتفظت بجمالها مع تاج من الشعر شديد البياض زين هذا الوجه المحبب الي..
كان يتحدث عن أعماله ثم يتوقف ليتلو آيات القرآن ثم يعود للحديث وانا مستمتعة حتى وصلنا لشارع قصر العيني وهنا قال لي: هنا توقفي يابنتي ..لقد اقتربت.كثيرا من بيتي…
قلت له بصدق: ممكن صورة مع حضرتك ..بناتي ببحبوا سعاد حسني وحضرتك كنت من زملائها في الزمن الجميل …
هو: ارجوك…انا اللي ارجوك أتصور معك يا دينا
انا: وهل تسمح لي بأن احكي قصة لقائنا على فيسبوك؟
هو: نعم بالطبع..انت جميلة حقا يا دينا
انا: والنبي انت اللي قمر يا استاذ..
نزلت من السيارة بعد أن التقطنا صورة وظل يتابعني وهو يشير لي وانا الوح له بيدي واغني…قلبي يقول ياني ياني ياااني… وده قلبه ولا يعاني ولا يعاني ولا يعاااني.

حدث بالفعل
شكرا للاعصار الذي اعادني لماض جميل لطالما تمنيت لقاء اي شخصية عاشته…شكرا يارب على كل انسان رسمنا على وجهه ابتسامة…شكرا يارب على الإعصار وعلى المطر ..كل اللي تجيبه حلو يارب والله.

محمد أمير ناشر النعم: أيها الحلم لا تتركنا

محمد أمير ناشر النعم: أيها الحلم لا تتركنا

زي بوست:

في سنة 2009 تسنى لي ولعائلتي أن نجوب سورية شمالاً وجنوباً وغرباً، ولا سيما غرباً، فلم نترك مكاناً في جبال الساحل إلا وزرناه، ولا ضيعة إلا ومررنا عليها، وكانت متعة المتع يوم نجلس على كراسي القش، ونأكل فطائر التنور من أيدي القرويات المكافحات، وكنا نعقد معهن الصداقات، لأننا غدونا من زبائنهن الدائمين.
إحدى هؤلاء المجدّات المثابرات كانت من ضيعة (نملة) في الجبل المطل على بحيرة بلوران، وكان عمرها يقرب من السبعين عاماً. كان تنورها على الطريق العام بجانب البحيرة، وكنّا نستأنس بالجلوس عندها، والإفطار لديها، لأنها تقوم على خدمة مهنتها وزبائنها بكل لهفة ومحبة. في أول مرة وقفنا عندها طلبنا منها أن تصنع لنا فطائر بالجبنة والزعتر ودبس الفليفلة، ورغم نحافتها فقد عجنت العجين بجدّ، ورققته بمهارة ورشاقة، وخبزته بخبرة واحتراف. كان مجمل حركتها وأدائها يشيان بأن حزمة طاقتها قد أُحكمت عقدتها فهي غير قابلة للاسترخاء.
همست زوجتي في أذني: انظر إلى وجهها كم هو حلو؟
نظرت فرأيت مخايل الطفولة ما زالت تحوم حوله، رغم التجاعيد والأخاديد، ورأيت عينين لم أستطع تمييز لونيهما: هل هو الأزرق أم الأخضر؟
تجاذبنا معها أطراف الحديث، واسترسلنا معها، فعلمنا أنها تعيل عشرة أشخاص بمن فيهم أولادها وزوجاتهم، وأنهم يساعدونها مرة، وينشغلون عنها أخرى. أما نبرتها فنمّت عن طمأنينة ورضى، وأما ملامحها فأنبأت عن انسجام تام مع الذات، بل ومع المحيط كله. كان الفقر بالنسبة إليها واقعة طبيعية، كالبرد والمطر في الشتاء، والحر والصحو في الصيف، فلمَ التأفف والتضجر؟!
شعرنا أننا أمام اكتشاف، وأننا أمام لوحة أخرى من لوحات الطبيعة التي ملأت كياننا بالنشوة والسعادة، والهيبة والجلال، وانتابنا التضاؤل أمام عطائها وعزمها وانسجامها واطمئنانها. لم تعرف الصبر، لأنها لم تحتج إليه، فقد كانت تطحن في طاحونة الرضى كل المنغصات والكروب، ثم تذري كل ما يتناثر منها في مهب الرياح. عاملناها كأنها قديسة، وجعلناها مثلاً أعلى لنا ولأولادنا، وقارنّا بينها وبين معظم نسائنا الحلبيات اللواتي لم يكنّ مفطورات على الرضى، بل على التعاسة والاتعاس، واللواتي يجلسن في أبراجهنّ العاجية، وكلما تقدم بهنّ العمر ازددن شحماً وهماً وغماً، فلا تسمع منهنّ إلا الشكاية والتبرّم والسخط، وإلا المقارنات المجحفة بينهن وبين من هنّ أعظم شأناً ومرتبة وحظاً.
في إحدى المرات زرناها في آذار، كان الطريق خالياً، والمكان شبه مقفر، لكنها كانت موجودة تبتغي رزق من تعول، ما إن جلسنا عندها حتى انهمر المطر كأنه المتوالية الهندسية. جلسنا وعلى يميننا البحيرة، وتحيط بها الجبال، وفوقنا سقف من القش يظللنا، ويرشح علينا.
كان المشهد يأتلف من:
– منظر السماء الملبدة بالضباب، الذي تتخلله فتحات صغيرة فينفذ منها ضياء يداعب الأشجار الكثيفة في التلال والجبال، وينعكس على مياه البحيرة، فيلونها ببريق قادم من عالم الأحلام.
– ومن صوت حبات المطر التي تنقر سطح البحيرة كأنها أصابع عازف بيانو، في أعلى حالاته التصعيدية، فيتقافز منه لحن مهيب يعصف بالروح ويهز الفؤاد.
– ومن خلطة الروائح العطرية الصاعدة من التراب، ومن الحشائش، ومن أشجار الصنوبر والحراج.
أُوقد التنور، فتحلقنا حوله، وغرقنا في قشعريرة انتعاش أرواحنا وأجسادنا بالصور والأصوات والروائح وبرودة المطر، وجعلنا نقول: يا رب هل كل هذا الجمال لنا؟
جاء ابن لها بعد قليل وأعدّ لنا الشاي، كنتَ تحسبه للوهلة الأولى ابن خمسة وأربعين عاماً، لكن لدى التدقيق تدرك أنه أصغر من ذلك بعشر سنوات. سألته: هل أنت علوي؟
فأجاب: كلنا إسلام. نعبد الله، ونعبد محمداً.
فقلت في لهجة يختلط فيها الجد بالمزاح: ونعبد علياً أيضاً.
فأشار بيده، وهزّ برأسه: ونعبد علياً.
قلت له: هذا ابني… اسمه علي، وهو في الصف الرابع.
مطّ علي عنقه، ورأرأ بعينيه مزهواً، وقال لأخوته: أرأيتم يعبدونني!
أمسكت بعنق علي كأني أخنقه بين إبطي وساعدي، وقلت له: أنت شيطان لا تستحق سوى الفلقة.
ضحكنا بملء قلوبنا، وبملء حبات المطر المتساقطة التي كانت ساعتئذٍ تغسل كل شيء، كل شيء.

* المصدر: صفحة الكاتب في موقع فيسبوك

كتب حازم صاغية: هذه قصّة قصيرة كُتبت قبل عامين أعيد نشرها في زمن كورونا

كتب حازم صاغية: هذه قصّة قصيرة كُتبت قبل عامين أعيد نشرها في زمن كورونا

(صفر فلمينا)

زي بوست:

لم تكن فلمينا تخفي رغبتها في تجنّب الأيدي التي تمتدّ نحوها كي تصافحها. كانت، وعلى نحو استباقيّ، تعطّل محاولات المصافحين جميعاً. فهي حين تمشي، متجهّمة الوجه دائماً، تلفّ زنديها ويديها حول ظهرها، فتُفهِم مَن تلتقيه أنّها غير جاهزة لأيّ تماسّ باليدين.
لكنّ فلمينا كانت تواجه مشكلة أعقد مع تلاميذها الذين كنت واحداً منهم، إذ كيف تتجنّب ملامستهم. ولمّا كان العقاب أكثر ما يتسبّب بملامسة التلميذ، توصّلت فلمينا إلى حلّ شديد التركيب: فهي تمسك بمحرمة ورقيّة ملقطَ الحديد الذي يُستخدم لتحريك موقد النار، ثمّ تلتقط أذن الكسول أو المشاغب بيننا وتشدّها بطرف الملقط الآخر.
العقاب هذا لم يكن كلّه سلبيّات. فهو، من جهة أخرى، يعفي تلميذها من ضربة الكفّ التي كان الأساتذة الآخرون يعاقبون بها تلامذتهم. ذاك أنّ كفّ فلمينا، لحسن الحظّ، يأنف أن يلمس خدّ أحد.
واليوم حين أتذكّر معلّمتي فلمينا، ينتصب أمامي شبح طويل ونحيف نحف من أصابه قرف مزمن من الطعام. يداها لكثرة ما كانت تغسلهما بالماء والصابون بدتا مقشّرتي الجلد كأنّهما مصابتان بقروح أو بجروح لا تندمل. وكان يُخيّل إليّ أنّها تبتلع بعض الصابون بعد أن تستخدمه في غسل يديها، إذ ابتلاعه الوسيلة الوحيدة لتنظيف داخلها الذي لا تراه، وإن كانت واثقة من تلوّثه مثل كلّ شيء آخر يتّصل بالأجساد أو ينضوي فيها.
الغريب في أمر فلمينا أنّ الطبشور كان الشيء الوحيد الذي لا يصيبها بالقرف. فهي كانت تتعامل معه لساعات طويلة كتابةً على اللوح ثمّ محواً لما كتبته. ولا أدري ما إذا كان تحمّلها للطبشور وللغبار الناجم عن محوه اضطراراً مهنيّاً يستحيل عليها تجنّبه، أو أنّ طبيعيّة الطبشور الذي لم يمسّه ما هو إنسانيّ هي السبب. فما هو بشريّ، في عرف معلّمتي، يعادل الجحيم.
وفلمينا عاشت مقتصدة في تعابيرها الأخرى. فهي شوهدت مراراً في حالة مَن يهمّ أن يبتسم، لكنّها لم تُشاهَد مرّة وهي تبتسم. وكانت توحي أحياناً أنّها على وشك أن تغضب، إلاّ أنّها لم تغضب بتاتاً. واستنكافها هذا عن التعبير، معطوفاً على استنكافها عن الطعام، كان يُمعن في تجفيفها من كلّ ماء. لكنّه أيضاً كان يُظهرها، حيال الطبيعة، في غربة دائمة توشك أن تغدو وحشة. فهي أشبه بقطعة من حطب لا يمسّها برد الشتاء ببرده كما لا يمسّها حرّ الصيف بحرّه. لقد استقالت معلّمتنا من الطبيعة كما استقالت من الاجتماع البشريّ.
لكنْ هل كانت فلمينا غير ذلك في السابق؟ هل كانت طفلة ذات يوم؟ هل لعبت مثلاً؟ هل ركضت؟ هل قهقهت بصوت مرتفع؟ هل نمت وكبرت، كما ينمو الجميع ويكبرون، أم أنّها ولدت هكذا كبيرةً مُخشّبةً؟ هل أحبّت ذات مرّة؟ هل كرهت؟
أبناء جيلها لا يذكرون الكثير عنها. يقولون إنّها درست، إبّان طفولتها، في مدرسة أقامها الروس في قريتنا أواخر القرن التاسع عشر أو مطالع العشرين، وأنّها كانت “شاطرة في دروسها”. ويبدو أنّ تلك المدرسة اهتمّت، فضلاً عن تلقين القراءة والكتابة والحساب، بتعليم صبيان الروم الأرثوذكس وصباياهم كيف يكونون ورعين على الطريقة الأرثوذكسيّة. وهي بالفعل لم يكن إلاّ المرض الشديد يُقعدها عن حضور القدّاس والتضرّع إلى الله والمسيح والعذراء. ومن بين الثلاثة، انعقدت بينها وبين مريم علاقة خاصّة جدّاً ربّما كان سببها عزوف الاثنتين عن الرجال. هكذا امتلأ بيتها، على ما شهد زائروه القليلون، بصور العذراء وأيقوناتها.
وأغلب الظنّ أنّ ما اعتبرته فلمينا نظافة روحيّة مطلقة عزّز هوسها بالنظافة الجسديّة. ويبدو أنّ النظافتين معاً جعلتاها، في كلّ واحد من دروس الحساب التي تُعلّمنا إيّاها، تركّز تركيزاً شديداً على الصفر. فهي كلّما جمعت رقمين أو طرحت رقماً من رقم، أفهمتنا أنّ الصفر بريء من هذه العمليّة وأنّه يستطيع تجنّبها لأنّه لا يتأثّر بها ولا يؤثّر فيها. وبسبب ولا سبب، كانت تُقحم الصفر في ما لا يعنيه ولا يعنينا، فتنقّط اللوح أصفاراً أربعة أو خمسة بطبشورها العصبيّ، وهو الامتياز الذي لم تحظ به الأرقام التي تجمعها أو تطرحها. فهي تقول مثلاً: 2+3=5، لكنّها تكتب صفراً على اللوح قريباً من هذه الأرقام، ثمّ تنبّهنا إلى أنّ الصفر لا دخل له بالأمر.
هل كان هذا الصفر نوعاً من تمثيل لشخص سُلب كلّ شيء، أو لمعنى لم يتشكّل، أو لحالة لم تكتمل؟ لا أحد يدري. والأمر برمّته كان ليمضي بقليل من التبعات لولا أنّ رفيقي غيّاث كان يبكي كلّما ذكرتْ معلّمتنا فلمينا الصفر أو كتبتْه على اللوح. وبما أنّها كانت تفعل ذلك غير مرّة في حصّة الحساب، كان يتحوّل الصفّ مسرحاً متقطّعاً لبكاء غيّاث، الذي يصفونه في القرية بالولد اليتيم الذي مات والده وتُرك لجدّه أن يربّيه.
لقد صار الصفر، وهو مجرّد نقطة، سبباً لخوفه. مع هذا، كانت تكتفي، حين تكتبه بحدّة مَن ينقر اللوح نقراً كأنّه يثقبه، بأن ترمق غيّاث كما لو أنّها تذكّره بضرورة أن يبكي، حتّى خُيّل لبعضنا أنّها لا تنوي بذكرها هذا الصفرَ سوى إبكاء غيّاث. فهي لم تكن تسأله عن سبب بكائه، معتبرةً الأمر تحصيلاً حاصلاً ومكتفيةً بمطالبته، مع نهاية الحصّة، أن يغسل عينيه ووجهه.
والأمر الذي ظلّ سرّاً علينا جميعاً، كان يسلّينا. فنحن كلّما ذُكر الصفر راحت أعناقنا تحمل رؤوسنا صوب غيّاث. وبعضنا صاروا يضحكون ويقولون: “جاء الصفر، سيبكي غيّاث”، أو يقولون: “ابكِ ابكِ يا غيّاث، جاء الصفر”. أمّا فلمينا فتكتفي بأن تشير علينا بيدها، كما يفعل شرطيّ السير، بأن نحوّل رؤوسنا عن غيّاث ونعاود النظر إلى اللوح.
ومرّت سنوات توفّيت بعدها فلمينا كما هاجر غيّاث إلى بلد بعيد من بلدان هذه الكرة الأرضيّة. لكنْ، وبطلب منها ضمّنته وصيّتَها، نُقشت على قبر فلمينا كلمتان: “الحياة صفر”. وهناك، في ذلك البلد البعيد، فتح غيّاث سوبر ماركت أسماها “زيرو”، تفرّعت عنها سلسلة مخازن درّت عليه أموالاً طائلة.

*المصدر: صفحة الكاتب في موقع فيسبوك

المحامي ميشال شماس: تَبحَثُ عَنْ وَحِيدها وهي لا تَدري أنهم قَتَلُوه

المحامي ميشال شماس: تَبحَثُ عَنْ وَحِيدها وهي لا تَدري أنهم قَتَلُوه

زي بوست:

كنتُ أراها كلَّ يومٍ تقريباً تَجلسُ على حافةِ الرصيف الملاصق لمدخل نظارة القصر العدلي بدمشق، سيدة في الستين من عمرها، يبدو عليها الحزن والتعب، ظننتُ في بداية الأمر أنها ليست إلا مجرد متسولة، من جملة المتسولين الذين تضاعفت أعدداهم في شوارع دمشق بعد تدهور الحالة المعيشية بشكل مريع. وقد أثارت تلك السيدة انتباهي مع تكرار مشاهدتي لها، فتارة أراها جالسةً عند مدخل النظارة، وتارة أخرى أراها واقفة تستند إلى الحاجز الحديدي وعيناها ترنو إلى شيءٍ ما في داخل الفناء المخصص لوقوف سيارات القضاة، وكأنها تبحثُ عن أمر ما قد فقدته.. تساءلتُ في نفسي لماذا تجلس هذه المرأة يومياً عند مدخل النظارة بالذات؟ فالمكانُ ليس مناسباً للتسوّلِ، أغلبُ الداخلين والخارجين من هذا الباب هم من القضاة وعناصر الشرطة والأمن وموظفي القصر العدلي.
في صباح 11/6/2012 كنتُ على عجلة من أمري توجهتُ مسرعاً باتجاه نظارة القصر العدلي، فوجئت بتلك السيدة ثقف على الفتحة الضيقة للحاجز الحديدي، قلتُ لها: ” يا خالة.. يا خالة إذا سمحتِ أريد الدخول”، نظرتْ إليّ وكأنها تريد قول شيء، ابتعدتْ قليلاً عن المدخل دون أن تتفوه بأية كلمةٍ.. تابعتُ طريقي إلى حيث مكان توقيف النساء، ونظراتُ عينها المليئة بالحزن تلاحقني، لم تغب عن مخيلتي، لكن انشغالي بمتابعة الناشطة “فرح حويجة” التي احيلت من فرع الأمن إلى نظارة القصر العدلي، شغلني عن معرفة سرّ تلك السيدة.
سألتني الشرطية: أي صبية تريد؟ ضحكتُ وقلتُ لها مازحاً: أنا متزوجٌ، أبحث عن صبيةٍ أسمها “فرح حويجة”، نظرتُ إلى الشبك وإذْ بصبية سمراء جميلة، عيناها الواسعتان تلمعان فرحاً، سألتها: أنتِ فَرَحْ يلّي صرعني ابوك وعمّك فائق باعتقالك، وكأنه لم يُعتقلْ غيرك.؟! ابتسمت وأحمرّ وجهها خجلاً.. سألتني: مين حضرتك؟ أجبتها: أنا المحامي ميشال شماس، وبعد أن حدّثتني عن الاتهامات التي وجّهتْ لها والمعاملة السيئة التي لقيتها في الفرع.. قلتُ لها:، عندما يستجوبك القاضي أنكري كلّ التهم الأمنية، وكوني شجاعة ولا تخافي، وبعد ساعة أطلق سراحها، بعد أن قضتْ أربعين يوماً في الاعتقال على خلفية نشاطاتها الانسانية في مساعدة الناس ولاسيما الأطفال منهم.
تركتُ “فرح” تفرحُ بحرّيتها بين أهلها ومحبيها، وذهبتُ لمتابعة دفعة جديدة من المعتقلين الذين أحضروهم للتو، كان من بينهم نساء وفتيات، حصلتُ على إذن من العميد لزيارة موقوف لا أعرفه، المهم أني وضعت أسماً، كوسيلة لأرى من تم تحويله اليوم، عرّجتُ أولاً على مكان احتجاز الرجال والتقيت بعدد من المعتقلين، وبعد أن استفسرتُ منهم عن الاتهامات الموجهة لهم، ابلغتهم أن ينكروا أقوالهم ويقولوا لزملائهم الأخرين أن يفعلوا الشيء نفسه، ثم ذهبتُ إلى مكان احتجاز النساء، إحدى المعتقلات في العقد الثالث من عمرها، سألتني أن كنتُ محامياً فأجبتها: نعم ماذا تريدين؟ قالتْ: “أريد أن تخبر أهلي بوجودي في النظارة”، قلتُ لها سأفعل، ولكن يمكنك الاعتماد عليّ لحين وصولهم، وعندما عرفتْ اسمي قالت موجهة كلامها لزميلاتها: “تعوا شوفوا هادا المحامي ميشال شماس يلي سمعنا اسمه في الفرع، واندفعت زميلاتها إلى الشبك، وكل واحدة تريد إخبار أهلها. طمأنتهنّ جميعاً على أنهنّ سيخرجن اليوم.. لكون الاتهامات بسيطة من قبيل التظاهر والتحريض ضد النظام، ولم أغادر إلا بعد أن الاطمئنان على إطلاق سراحهن وسراح الشباب جميعاً.
كانت الساعة الرابعة بعد الظهر، عندما خرجتُ من القصر العدلي منهكاً، لكن فرحتي بإطلاق سراح هذا العدد الكبير انساني تعبي، ولدى وصولي إلى مدخل النظارة الخارجي برفقة أحد المفرج عنهم ويدعى “فاضل” ، فوجئت بعدد من الامهات يعترضون طريقنا ومن بينهم كانت تلك السيدة التي تعودت على رؤيتها يومياً في هذا المكان، سارعتْ تلك السيدة إلى سؤال “فاضل” إن كان قد شاهد أو سمع باسم أبنها المعتقل منذ 2نسيان 2012، رد قائلا: “والله يا خالة يا دوب اتذكر اسمي، شوفي حالتي مبهدلة، فثيابي مهترئة وجربان وكمان جوعان .. خليها لألله” ثم انهالت الأسئلة عليه، ارتبك “فاضل” فلم يعد يعرف على من يردّ.. عندها تدخلتُ وطلبَتُ منهنّ أن يسألوا بالدورـ وقلتُ للسيدة: “شو اسم ابنك

قائلة ” ألله يرضع عليك يا ابني، هاي صورته تطّلع فيها مليح بلكي بتكون رايته.؟ بجاه ألله طمنّي، النار تحرق قلبي.. هذا وحيدي يلّي بقيلي بها الدنيا”، تمعّن في الصورة جيداً” أكد لها فاضل عدم مشاهدته مطلقاً. واستمر الأمر لحوالي ربع ساعة حتى تمكّن من الإجابة على أسئلة النساء اللواتي تَحّلقنَ حولنا. وهذا المشهد كان يتكرر يومياً امام القصر العدلي كلما أفرج عن معتقل.
غادرنا المكان إلاّ أن تلك السيدة لحقت بنا وهي تستجدي إجابة تطفئ النار المشتعلة فيها، عندها شعرتُ بغصة كبيرة في حلقي، فالمشهد كان مؤثراً ومحزناً، قلتُ لها: “الآن عرفتُ لماذا كنتُ أراك يومياً هنا، ظننتك متسولة، أعتذر منك يا خالة، أعطني اسم أبنك بالتفصيل، وما عاد في داعي تجي لهون، أعطني رقم هاتفك، وهذا رقم هاتفي، سأهتم به، وأخبرك حال سماعي أيّ خبر عنه..
في اليوم التالي أخبرتُ استاذي خليل معتوق- المعتقل منذ 2/10/2012 بأنني سأذهب إلى وزير العدل، لأضعه في صورة معاناة أهالي المعتقلين ومصير أبنائهم، فقال لي “انت عم تضيع وقتك”، قلت له ومع ذلك سأذهب لعل وعسى، المهم قابلت الوزير وشرحتُ له معاناة أهالي المعتقلين في البحث عن أبنائهم وأقاربهم المعتقلين لدى الأمن، موضحاً أنهم سيتحولون إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة بوجه النظام، سألني الوزير وماذا تريد أن نفعل؟ هل نشكرهم على ما فعلوه ضد الدولة..؟ قلتُ له: يا سيادة الوزير، بهذه الطريقة ستزيدون من أعدائكم في الداخل والخارج، ونصيحتي لكم أن تلتفتوا إلى معاناة الناس لا أن تتعاملوا معهم بمنطق العصابات، عندها قال لي: “من يريد معرفة مصير قريبه مراجعة ديوان الوزارة ونحن نخاطب الجهات المختصة”. قاطعته بالقول هذا لا يكفي، هذه مأساة ويجب حلّها فوراً بالانفتاح على الشعب قبل فوات الأوان.
خرجتُ غاضباً من مكتب الوزير، واتجهتُ إلى ديوان الوزارة للاطلاع على قوائم الأسماء المرسلة من الفروع الأمنية، بحثت من بين آلاف الأسماء عن اسم “محمد” ابن تلك السيدة، فوجدتُ أسماء لأشخاص أعرفهم كُتبَ بجانب أسمائهم أنهم غير معروفين، وأسماء أخرى إلى “القضاء المختص” أي المحكمة الميدانية، ثم بعد ذلك وجدتُ اسم أبن تلك السيدة، وقد كُتِبَ بجانبه: “متوفي بتاريخ 17نيسان 2012 بعد تعرضه لأزمة قلبية، وأرسلتْ برقية عن طريق الشرطة لإعلام أهله بوفاته”.. قررتُ أن لا أخبر السيدة بوفاة وحيدها لتعيش على امل عودته إليها.. واستمريت بالاتصال معها تأكيداً على اهتمامي بمأساتها، إلى أن اتصلت بي في أواخر ايلول 2012 واخبرتني أنهم قبل اسبوع أعلموها بوفاة ابنها نتيجة إصابته بأزمة قلبية، وسلّموها هويته، دون جثته، وأضافت إن جارتها أخبرتها إن “محمد حيّ”، طالما لم يسلموها جثته، فقد سبق أن فعلوها مع اناس اخرين، ثم تبين أنهم أحياء.. “فبرضاي عليك انت أبن حلال وبتخاف من ألله، ممكن يكون أبني عايش طمنّي الله يخليلك ولادك.؟!” قلتُ لها : نعم يا خالتي ممكن، لا شيء مستبعد، وأنا سمعت هيك قصص كمان”، عندها أخذت تدعو لي وتشكرني لوقوفي معها.. وكان هذا أخر اتصال بيننا. لكن صورتها ماتزال في مخيلتي إلى الآن.
أما قضية المعتقلين فتحولت إلى مأساة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، بعد أن فاقت أعداد المعتقلين اي تصور ممكن، وكَبُرَتْ معها معاناتهم ومعاناة أهاليهم الذين باتوا عرضة للابتزاز والسمسرة، فضلاً عن اتخاذهم كرهائن من قبل نظام الأسد يبتز فيها أهاليهم لفرض شروطه عليهم.. في ظل تقاعس الجهات المحلية والدولية المعنية عن إيجاد حلّ لهذه المأساة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
لنعمل ما بوسعنا، لنصرخ بأعلى أصواتنا، ولا يجب أن نكف عن الصراخ طالما يوجد معتقل واحد سواء في سجون وزنازين النظام أم في سجون المعارضة المسلحة.؟

*المصدر: صفحة المحامي ميشال شماس في فيسبوك

عبد القادر الحصني: الجرّافة

عبد القادر الحصني: الجرّافة

من كتابات من المأساة السوريّة في مثل هذا اليوم عام 2014

زي بوست:

سائق الجرافة التي كانت تجرف الجثث توقّف فجأةً عن الجرف وراح يحدِّق في الجثة التي وصلت إليها أسنان السطل، وهو لا يكاد يصدِّق، فهو يعرف صاحب هذه الجثّة.. يعرفه جداً.. ولا يمكن أن يجرفه. رجع وانحرف بسطل الجرافة قليلاً ثمّ حذف الجثّة جانباً ليتابع الجرف. الشبّيح الذي يشرف على عملية الجرف ضبطه وهو في هذه الحركة المشبوهة، فصرخ به: شيلها.. شيلها يا حيوان.
– سيدي بشيلها.. أنا بشيلها بآخر الدوام!
– عم قلك هلأ شيلها.. وما حدا أحسن من حدا.. كلو ع الجرافة يعني كلو ع الجرافة.
– بس سيدي مو معقول.. هادي جثتي .. جثتي أنا.
– جثتك.. شو يعني جثتك؟! وشو بعملك إذا جثتك؟ بطلبلها فنجان قهوة إذا جثتك؟!
– سيدي مو هادا قصدي.. قصدي باخدها معي ع البيت .
– هه ع البيت يا حنون؟! قلتلي ع البيت!! ولشو ما صابتك ها الحنّيّة من دقيقتين؟!
– (مستغرباً) من دقيقتين؟!!
– أي من دقيقتين لما جرفت جثتي ورميتها بالقلّاب يا ابن الكلب.
أُسقِط في يد سائق الجرافة.. تنحنح، وشتم الجثث ويومها.. ثمّ عاد بالجرافة، ووضعها في الاتجاه الصحيح.

أشعل نفسه ليدخل الدفء إلى قلبها لكنها ماتت برداً

أشعل نفسه ليدخل الدفء إلى قلبها لكنها ماتت برداً

زي بوست:

اليوم صباحا وصلتنا هذه الطفلة الى مشفانا بعفرين
خرج والدها بها من خيمته التي تبعد عن مشفانا بضعة كيلومترات لانها تعاني من نزلة تنفسية بسيطة
احضر كل ما يملك في خيمته المهترئة ليدفئها
اشعل نفسه ليجعل من جسده موقدا يدخل الدفء لقلبها الصغير
ضمها بكل ما يملك من قوته واحتضنها بقلبه واغدق عليها بدموعه الدافئة يرطب وجهها الندي
ومشى منذ الخامسة فجرا بين الثلوج والرياح
مشى بين ما تبقى له من ركام وطنه
تعثر حينا فجعلها فوق رأسه باغتته الرياح فحماها بظهره
بين الحفر المملوءة جليدا مشى بحذائه المهترئ
تجمدت اطرافه لكن بقي قلبه يحضنها
مشى لساعتين ثم وصل لمشفانا
بصعوبة بالغة فصلنا جسده وقلبه عنها ثم كشفنا على وجهها الملائكي وجدناها مبتسمة لكن كانت بلا حراك
اصغيناها بسماعاتنا ….

انها ميتة !!!
ومنذ ساعة !!
كان يحمل جثتها على الطريق وهو لا يدري .
يا قهر العالم كله
يا عجزي وانكساري وكل دموع الارض
يا بحرا من عجز
يا ويلتنا نحن الدافئون خلف مواقدنا وتحت اسقف بيوتنا
يا اهل الشام والعراق والرافدين والحرمين والنيل والاناضول والعائمين على بحار نفطهم الاسود سواد قلوبهم
وكل ارض عليها بشر
كلكم شاركتم بقتلها

بألم الدكتور:
‏Housam Adnan

إبراهيم شاهين: لم شمل

إبراهيم شاهين: لم شمل

زي بوست:

جاء إلى المدينة غريباً لا يعرفه أحد، أمضى وقتاً طويلاً كرجل وحيد، يسير في الشوارع وحده، يشرب القهوة في المقهى وحده، يشتري حاجياته وحده، يطبخ، يأكل، يكوي قمصانه، يشاهد المسلسلات الكوميدية القديمة ويقهقه بأعلى صوته وحده كي يكسر الهدوء في بيته، فهو بيت رجل وحيد، وحيد تماماً.

جمع عشرات الأوراق الرسمية في ملف ضخم، أرسل عشرات الرسائل الالكترونية، أطلق في اتصالاته الهاتفية مع ( البلد) وعودًا لا قدرة له حتى على التفكير بكيفية الوفاء بها.

في لحظة جديدة ، شعر أن كل شيء فيها جديد، الهواء ببرودته الخفيفة، وجوه الناس، حتى جبين جارته العجوز المقطب دائماً، بدا في ذلك الصباح أقل تجهماً.
وكذاك كلمات بائعة الورد التي فهمها تماماً
– اليوم ستصل عائلتي، أريدها باقة مميزة، و لاتهتمي للنقود رجاءً.
– أمر جيد وجميل أن تأتي عائلتك اليوم.
قالت البائعة وهو يحاول أن يخمن العدد الهائل لأطواق الخرز الناعم الذي طوقت به عنقها المضيء.
حمل باقة الورد و أسرع إلى القطار المتجه إلى المطار .

في البيت فتحوا حقائبهم، هدايا بسيطة تتناسب مع فقر و تعب سورية، المكان الذي قدموا منه، قدموها له، فرح بها مع المزيد من العناق وتنهدات الارتياح.
غسلت زوجته قطرميزاً زجاجيًا فارغاً، نزعت عنه الورقة التي عليها صورة الفاصولياء الخضراء، صار القطرميز مزهرية وضعت فيها أزهار استقباله لها.

تحدث مع الصغار ، ضحكوا كثيرا وهم يأكلون بإعجاب ومتعة الطعام الفاخر الذي حضّره لهم، ناموا من تعب السفر.
أخذهم إلى الأسواق.. اشترى لهم أشياء كثيرة.
سريعاً راح الأولاد إلى المدرسة، الزوجة تحاول بدأب وارتباك فهم هذا العالم الجديد، و الولدين صارا يمارسان فترات صمت مع وقفات طويلة على النوافذ بعيون تسرح بأفكارٍ متداخلة.

بعد زمنٍ قليل صارت الضحكات أقل صخباً، و الأحاديث أقصر ، و مسلسلات الكوميديا لم تعد تثير الضحك الصاخب.
عاد الهدوء إلى بيت الرجل الذي كان وحيداً، وحيد تماماً، صار فيه أربعة أشخاص صامتين وحيدين، رجل وامرأة وولدين يافِعَين وحيدين تماماً.